منتدى الموثق فيصل الحكمي - موثق وكالة معتمد بالرياض
(نسخة قابلة للطباعة من الموضوع)
http://tawtheg.com/forum/t92086
أنقر هنا لمشاهدة الموضوع بهيئته الأصلية

نفي المصدر الكامن
الحكمي RSS موثق وكالة 28-09-2020 02:57 مساء
مما اطرد في نصوص الوحي ما كان من تَسَلُّطِ النَّفْيِ عَلَى المصدر الكامن في الفعل فهو مما حَدَّهُ أهل المعاني والأصول حَدَّ العموم ، كما في مواضع من قَبِيلِ ما روي عن النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لا يُؤمِنُ أحدُكُم حتَّى يكونَ هواهُ تَبَعًا لما جئتُ بهِ" ، على كلام مشهور في إسناده ، ففيه نعيم بن حماد ، وهو من أشهر من روى في الفتن والملاحم ، وكلام أهل الشأن فيه قد اشتهر ، فهو كثير الخطإ بل ثم من اتهمه لكثرة ما يجري في حديثه من الخطإ ، فالنفي في الخبر : "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ" يَجْرِي ابتداء مجرى العموم المستغرق ، فَتِلْكَ دلالة النفي إذ تَسَلَّطَ على المصدر الكامن في الفعل "يُؤْمِنُ" ، وَذَلِكَ ، طَرْدًا للأصل البلاغي ، ذلك ما يَنْصَرِفُ ابتداء إلى نَفْيِ الأصلِ الجامع ، نَفْيِ الحقيقة الإيمانية النَّفْيَ المطلق فلم يَبْقَ مِنْهَا بعد حصولها أو لم يحصل منها ابتداء قدر يجزئ في ثبوت اسم ديني إيماني ، ولو مطلقا أول ، فهو الأصل الجامع الذي به تَثْبُتُ الأسماء الدينية ، ولو مطلقا أول لَمَّا يَسْتَوْفِ بَعْدُ الكمالَ الواجب الذي به يثبت الاسم الكامل ، وذلك أمر يطرد في جميع الأسماء الدينية كاسم الإيمان والإسلام ، فالنفي إذا تسلط على المصدر الكامن في الفعل فهو يفيد العموم ، كما قرر أهل الأصول والبلاغة ، فلا يؤمن أي إيمان ، ولو الإيمان الأول ، مطلق الإيمان الذي به مبدأ الإثبات لاسم ديني يصح فهو يجزئ في الخروج من عهدة ضده وهو الكفران في هذا الموضع وإن لم يجزئ في حصول الاسم الكامل : اسم الكمال الواجب فضلا عما يجاوزه من اسم الكمال المستحب فهو أعلى درجات الباب وإن كان في نَفْسِهِ على درجات فالخلق يتفاوتون في المندوبات زيادةً ما لا يحصيه بشر فلا يعلم مراتب الدين والإيمان إلا الرب العليم الحكيم ، تبارك وتعالى ، فهو الذي أحاط بما قام بالجنان من المعاني والعلوم وما تأولت الأركان من المباني والأعمال .
فكان من النفي في الخبر ما انصرف ، بادي الرأي ، إلى نفي الأصل الجامع ، فذلك الأصل في باب النفي إذا تسلط على النكرة أو على مصدر يكمن في العامل ، كما في هذا الموضع ، فهو في قوة النكرة إذ يدل على أدنى ما تصدق به الحقيقة في الخارج ، فذلك الأصل الذي لا يعدل عنه الناظر إلا لقرينة ، وثم من يجري السياق في هذا الخبر مجرى القرينة الصارفة ، فلا يؤمن الإيمان الكامل إذ يُقَدِّمُ هواه في مواضع لَا عَلَى حَدِّ الاستباحة أو الاستهزاء وإنما غلبة شهوة وطبع ، ما لم يكن الميل في نفسه في اعتقاد أو قول أو عمل ، ما لم يكن في نفسه ناقضا لأصل الدين ولم لم يقترن باستباحة أو استهزاء ، فَثَمَّ من الاعتقادات والأقوال والأعمال ما يقدح في أصل الدين الجامع ابتداء ولو لم يكن ثم استباحة ولا استهزاء ، وَثَمَّ من يجري الخبر على الأصل فَيَجْعَلُهُ مِنْ قَبِيلِ المشترك في الدلالة عَلَى قَوْلِ من يُجَوِّزُ العموم في دلالة اللفظ المشترك ما لم يكن ثم تَعَارَضٌ ، فَلَا تَعَارُضَ حَالَ انْفَكَّتِ الجهة وهو ما يُجْرِي عليه الناظر الخبرَ على هذا التأويل ، تأويل العموم في دلالة اللفظ المشترك ، فلا يؤمن أحدكم حتى يكون الهوى الأول تَبَعًا لما جاء به الوحي المنزل في محكم آيه وخبره ، وذلك هوى الأصل ، التوحيد ، فيكون الميل إليه دون ضده من الشرك ، فيختار المكلف بما ركز فيه من قوة الترجيح وهي مناط التكليف بالتشريع ، يختار التوحيد ويميل إليه وذلك ما لا يكون نقلا وعقلا إلا أن يميل عن ضده من الشرك ، فذلك من التلازم العقلي الضروري : التلازم بين الإثبات والنفي ، فإثبات الشيء لا يكون إلا بِنَفْيِ ضِدِّهِ واحدا في نفسه أو دائرا يَتَعَدَّدُ ، فَيَصْدُقُ في الشرك ، من وجه ، أنه واحد في الجنس ويصدق فيه ، من آخر ، أنه دائر في الأنواع إذ تَتَعَدَّدُ ، فالشرك منه شرك الاعتقاد ونظيره في القول وثالثهما في العمل ، وتحت كلٍّ من الآحاد ما استقرئ في نصوص الوحي آيا وخبرا ، فجنس أعلى تحته أنواع تجري مجرى الأجناس بالنظر فيما تحتها فهي أجناس ، ولو تَالِيَةً ، وتحتها آحاد ، فتلك قسمة العقل في المعاني المطلقة التي يجردها الذهن فلا تكون في الخارج إلا بالقيد الذي يصيرها على أَنْوَاعٍ وآحادٍ فِي الخارج .

وهو ، أيضا ، ما يجري مجرى الاشتراك ، فإن إثبات الإيمان يستوجب نَفْيَ ضده من الكفران ، وهو ما احتمل الكفران الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، فيكون الإيمان الثابت ابتداء بعد انتفاء الكفر الأكبر ، يكون أصل الإيمان الأول ، مطلق الإيمان الذي يجزئ في حصول اسم ديني يَنْفَعُ ، فَبِهِ تكون النجاة ، ولو انْتِهَاءً ، فلا زال ثم مناط وعيد بما يكون من مخالفة الهوى لما جاء به الوحي من أحكام لا تنقض المخالفة عنها أصل الدين الجامع وإن نقضت كماله الواجب ، فذلك مناط وعيد مؤقت ، خلاف ما يكون من احتمال ثان فيكون الإيمان الثابت ابتداء بعد انتفاء الكفر الأصغر فالأكبر قد انْتَفَى من باب أولى ، يكون هذا الإيمان الثابت هو الإيمان المطلق الذي يجزئ في حصول اسم ديني يَنْفَعُ ، فَبِهِ تكون النجاة ابتداء ، فلا مناط وعيد في هذا الوجه .

ولا يخلو السياق من عمومات أخرى ، عموم المضاف إلى الضمير في "أَحَدُكُم" ، وهو ما يجاوز الجمع المخاطَب خطاب المواجهة الأول فيجاوزه إلى غَيْرِهِ فَثَمَّ قرينة العموم في خطاب التكليف وهي قرينة عامة تستغرق كل مَنْ صَحَّ تكليفه ، قوةً أو فِعْلًا ، كما اصطلح النظار ، مَنْ خُوطِبَ خِطَابَ المواجهةِ من المؤمنين ومن غاب منهم بل وَمَنْ كَفَرَ من جيلهم الأول ، فَذَلِكَ خطابٌ يَتَوَجَّهُ إلى كل أحد ، لا سيما إن حمل النفي في السياق على نفي الأصل ، أصل الإيمان الجامع ، فيدخل الكافر قولا واحدا فهو مخاطب بالتوحيد وبما لا يصح التوحيد إلا به أن يكون هواه في أصول الدين التي لا تحصل حقيقة إيمانية تجزئ إلا بها ، أن يكون هذا الهوى تَبَعًا لما جاء به الوحي المنزل ، فثم خطاب المواجهة ، خطاب العموم الذي استفيد من الضمير المجموع في "أحدكم" فإضافة النكرة "أحد" إليه مئنة من العموم ، كما قرر أهل الأصول ، فجاوز الجمع المذكر بقرينة التغليب في خطاب التكليف ، وجاوز الجمع الحاضر فدخل فيه من غاب ، وجاوز الموجود فدخل فيه المعدوم ، وجاوز المؤمن فدخل فيه الكافر على التفصيل آنف الذكر ، ولو كان الباب باب فروع أن يكون الهوى فيها تَبَعًا لِمَا سَنَّ الوحي من أحكام الفقه الجزئية فالخطاب يتوجه بها إلى الكافر ، أيضا ، على خلاف قد اشتهر بين الأصوليين ، فهو مخاطب بها وبما لا تصح إلا به وهو أصل التوحيد الأول .
وَثَمَّ من العموم ، أيضا ، ما استفيد من دلالة الإضافة في "هواه" ، فهو يجاوز ما يتبادر من الهوى المذموم فهو مئنة من الميل مطلقا ، صح أو بطل ، حَسُنَ أَوْ قَبُحَ ، ولا يكون حال الميل إلى الوحي إلا صحيحا يحسن فهو مما يحمد صاحبه فلا ينصرف الذهن إلى المعنى المذموم من الهوى الصارف عن الحق المحكم بما يكون من متشابهات القول والعمل ، فَثَمَّ هوى في الخبر قد استغرق بدلالة الإضافة ، فجاوز الرأي إلى القول والعمل ، فلا يخلو الاعتقاد والقول والعمل ، ما بطن وما ظهر ، لا يخلو من دَلِيلٍ يُرَجِّحُ من خارج فهو يميل بالجنان عن الباطل إلى ضده من الحق ، ولا يخلو السياق من عموم ثالث وهو عموم الموصول "مَا" في "لِمَا جئت به" ، فهو يستغرق ، أيضا ، ما جاء به الوحي من الاعتقاد والقول والعمل ، فكل أولئك عمومات تَرْفِدُ المعنى فضلا عما تقدم من دلالة العموم في اللفظ المشترك ، إذ يحمل النفي من وجه على أصل الإيمان الجامع إن خالف الهوى عما جاء به الوحي من أصل التوحيد الأول ، أو كانت المخالفة بالجحود : جحودِ أصل من الأصول لا يسع المؤمن جحده ، أو كانت المخالفة بِالتَّرْكِ : تَرْكِ ما لا يحصل إيمان يجزئ في ثبوت المطلق الإيماني الأول إلا به ، ويحمل النفي من آخر على انتفاء الكمال الواجب إن كانت المخالفة بالهوى في موضع لا يقدح في أصل الدين الجامع وإن قدح في كماله الواجب بما يكون من ميل بالهوى المذموم في فرع من الفروع لا استباحة أو استهزاء وإنما شهوةَ نَفْسٍ غَلَبَتْ فَصَاحِبُهَا يُقِرُّ بذنبه ، فَيُرْجَى له أَنْ يُقْلِعَ وَيَتُوبَ ، فاحتمل النفي إذ تسلط على المصدر الكامن في الفعل في "لَا يُؤْمِنُ" ، احتمل في هذا السياق معنى العموم ، من وجه ، العموم القياسي محل الشاهد إذ يَتَسَلَّطُ النَّفْيُ على المصدر الكامن في الفعل ، واحتمل عموما آخر من قَبِيلِ العموم في دلالة المشترك إذ احتمل الوجهين لا على حد التناقض أو التعارض فالجهة قد انْفَكَّتْ ، كما يقول الأصوليون ، فَانْتَفَى التَّنَاقُضُ وَالتَّعَارُضُ .

وذلك ما يشبه ، من وجه ، في دلالة النفي الذي تسلط على المصدر الكامن في العامل المضارع وهو محل الشاهد ، ما يُشْبِهُ نَفْيَ النجس عن المؤمن ، كما في خبر أبي هريرة ، رضي الله عنه ، مرفوعا وفيه : "سُبْحَانَ اللهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ" ، فَثَمَّ التسبيح عَلَى حد التعجب وهو مما يمهد لما بعده ، وثم من الاستئناف بالمؤكد الناسخ "إن" ما يجري ، من وجه ، مجرى التوكيد وذلك القياس في اللسان فهو أم الباب : باب التوكيد لفظا ، وثم آخر معنى وهو ما استفيد قياسا بالنظر في اسمية الجملة فهي مئنة من الديمومة والثبوت ، وكذا يقال في التوكيد المعنوي بالإطناب في الخبر "لا يَنْجُسُ" فضلا عن مضارعةٍ في "يَنْجُسُ" وبها استحضرت الصورة من وجه واستغرقت الأجزاء الزمانية الحالية والمستقبلة فذلك خبر محكم يَطَّرِدُ فلا يُنْسَخُ ، وكذا يقال في الإطناب بالتكرار ، تكرار الفاعل ، مُضْمَرًا على حد الجواز في "يَنْجُسُ" ، وظاهرا فهو المبتدأ "المؤمن" ، وذلك مرجع الضمير المستتر في "يَنْجُسُ" فذلك الفاعل المعنوي ، إذ يسند إليه الخبر إسناد الفعل إلى الفاعل فاستحق لقب الفاعل من هذا الوجه ، وإن في المعنى لا اللفظ ، ولا يخلو تصدير الكلام بالناسخ المؤكد بعد التسبيح ، أن يجري مجرى التعليل لما تقدم من التعجب من صنيع أبي هريرة ، رضي الله عنه ، فَاجْتَمَعَ فِي الناسخ المؤكد من دلالته الأولى في الوضع ، دلالة التوكيد وأخرى هي التَّعْلِيلُ ، اجتمع منهما ما يجري مجرى الشاهد الذي به يَسْتَأْنِسُ مَنْ يُجَوِّزُ العمومَ في دلالة اللفظ المشتَرَكِ .

فكان من الخبر أَنْ : "سُبْحَانَ اللهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ" ، وذلك ما ظهرت آثاره في الفروع ، في الذكر والتلاوة ومس الكتاب العزيز ، فالذكر يكون على أي حال ، وإن كان الأولى أن يكون الذكر على طهارة ، وذلك ما قِيلَ أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ مِنْ قَبِيلِ قِرَاءَةِ الآي المنزل ، ومس المصحف المقدس ، فالمشهور أنه لا يكون إلا عَلَى طَهَارَةٍ ، ودليله ما جاء في الوحي المنزل : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) ، فذلك ما أجراه المستدل مجرى الخبر الذي يُرَادُ به الإنشاء ، إنشاء النهي على تأويل : لا تَمَسَّهُ وأنت غير طاهر ، فَثَمَّ منطوق ومفهوم ، فالمنطوق أن الكتاب لا يمسه إلا طاهر ، والمفهوم أن لا يمسه النجس ، وهو ما استدل به المخالف ، فإن الجنب ليس بنجس ، كما في خبر أبي هريرة آنف الذكر وفيه : "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ" ، وذلك ، أيضا ، ما يجري مجرى التعليل ، وهو مظنة الاطراد والانعكاس منطوقا ومفهوما ، فالمنطوق أن المؤمن لا يَنْجُسُ ، فَثَمَّ اسم مشتق من معنى الإيمان على حد الوصف المشبه فالإيمان مِمَّا لا يَتَعَدَّى عامله "آمَنَ" بِنَفْسِهِ وإنما يَتَعَدَّى بواسطة وهو ، مع ذلك ، معنى بلازم المؤمن فلا يُفَارِقُهُ ، ولو بالنظر في أصل النسبة مع ما يكون من تَفَاوُتٍ في الرتبة إذ يزيد الإيمان وينقص فلا يَذْهَبُ في كلِّ حال أصلُه فهو باق أبدا يلازم صاحبه ، ولو مطلق إيمان أول ، إلا أن يَقْتَرِفَ ما يُنَاقِضُهُ فتلك قرينة من خارج توجب الانتقال عن الأصل الأول الثابت الذي يستصحبه الناظر من حال المؤمن فالأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يكون الانتقال وذلك ما لا يكون إلا بالدليل ، وهو ما يُقَارِفُ المؤمن من نَاقِضٍ به يَنْتَفِي اسم الإيمان ويثبت ضده من اسم الكفران ، فلا يجتمعان ولا يَرْتَفِعَانِ ، كما يقول أهل المنطق في حد المتناقضين ، فهما مما يَتَنَاقَضُ بالنظر في العنوان الأول ، عنوان الأصل فلا يجتمع أصل الإيمان مع أصل الكفر كما لا يجتمع أصل الإيمان مع ناقض له من كفر أكبر ناقل عن الملة إِنْ بالاعتقاد أو بالقولة أو بالفعلة ، فكان من عنوان الإيمان ما اشتق منه اسم "المؤمن" في خبر أبي هريرة آنف الذكر ، وهو مناط الحكم ، فهو عِلَّةُ الطَّهَارَةِ وهي مَا اسْتُفِيدَ مِنْ نَفْيِ ضدها من النجاسة على حد العموم الذي استفيد من تسلط النفي على المصدر الكامن في العامل ، العامل المضارع "يَنْجُسُ" ، ولا تخلو المضارعة من استحضار لصورة في سِيَاقِ بَيَانٍ فذلك آكد في التبيين بما يُسْتَحْضَرُ من صورة المعنى ، فضلا عن دلالة الحال والاستقبال ، فهو حكم يطرد وَيَنْعَكِسُ أبدا فهو من المحكم الذي لا يُنْسَخُ ، فالمؤمن لا ينجس ، وذلك خبر لا يخلو من دلالة الإنشاء أن آمِنُوا فَتَسْلَمُوا من وصف النَّجَسِ فهو مما تَسْتَقْبِحُهُ النفوس الكاملة ، إن حسا أو معنى ، بل نجس المعنى في أحيان أعظم فَنَجَسُ الحس مما تسهل إزالته إن بالماء أو بغيره فلا يشترط في إزالة النجس من الماء ما يشترط في رفع الحدث ، خلاف نَفْيِ المعنى فهو مَا يستوجب المجاهدة لنفي خبث الأديان والأخلاق ، والمفهوم أن الكافر يَنْجُسُ أبدا ، وذلك ما احتمل في دلالته ، فنجاسة الكافر مَعْنًى محل إجماع ، فـ : (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) ، فَثَمَّ من الخبر ما أفاد النوعية فتلك دلالة التَّنْكِيرِ في لفظ "نَجَسٌ" ، وهو ما أفاد الحصر والتوكيد بأداة القصر "إنما" ، وهو من قَصْرِ الموصوف على الوصف ، ولا يخلو من دلالة التحقير والتقليل وَإِنْ فِي عد خصال الخير كما يقال : إنما فلان طبيب أو شاعر فهو واحد من جملة فلا يمتاز عنهم في قولة أو فعلة فَعُدَّ منهم بل ولعله أدناهم في الصنعة ، خلاف ما لو قال القائل : إنما الشاعر أو الطبيب فلان فذلك من قصر الصفة على الموصوف إمعانا في المدح والثناء أو ضده من الذم ، كما يقال : إنما الشر فلان فَكَأَنَّ الشر قد جُسِّدَ في ذاته فهو الشر المطلق ، فإنما المشركون نجس ، وهو ما انصرف إلى الدلالة المعنوية ، وبعده كان التفريع بالفاء في قوله تعالى : (فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) ولا تخلو الفاء في هذا السياق من دلالة التعليل فضلا عن دلالة العطف والفور وذلك آكد في تقرير المعنى والحكم ، وهو ، من وجه آخر ، شاهد لما تَقَدَّمَ مرارا من دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فَثَمَّ من المعاني ما استجمع في الفاء ، وهي مبنى واحد في لفظها ، فاجتمع فيها من الدلالات ما تَعَدَّدَ بِلَا تَعَارُضٍ وَلَا تَنَاقُضٍ إِذِ الجهة قَدِ انْفَكَّتْ ، بَلَ قَدْ تعاضدت المعاني فَأَفَادَتْ بِمَجْمُوعِهَا مَا لَا تُفِيدُ بَأَفْرَادِهَا ، فَكَانَ مِنَ النَّهْيِ أَنْ : (لَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) ، فذلك مما يجري مجرى التلازم بين العلة والمعلول فَعِلَّةُ النَّهْيِ عن قُرْبَانِهُمُ المسجدَ الحرام هو نجسهم المعنوي وذلك ما اقْتَصَرَ عَلَى مواضع مخصوصة ، وإلا فلا يُمْنَعُ المشرك مطلقا أن يدخل المسجد ما احْتَرَزَ من النجاسات بل قد يستحب ذلك إِنْ رُجِيَ إسلامه أَنْ يَسْتَمِعَ من الحجة والموعظة ما يَنْفَعُ ، فثم إجماع على نجاسة المعنى ، وإنما الخلاف في نجاسة الحس ، فَثَمَّ من طرد الدلالة ، فأجرى الحكم مجرى المشترك الذي تعم دلالته وجوهه ، الحس والمعنى ، وثم من نظر في المعنى الأخص ، معنى الكفر ، وهو معنى يقوم بالجنان ولا تَنْفَكُّ آثاره تَظْهَرُ فِي حركات الظاهر ، فالأركان تصدق ما يقوم بالجنان من معاني الحق أو الباطل ، من معاني الطهر أو النجس ..... إلخ ، فذلك تلازم آخر بين الباطن والظاهر ، فالباطن باعث يحفِّز ، والظاهر شاهد يُصَدِّقُ ، فالجنان أول في الفكرة والأركان تَالٍ في الحركة ، فذلك من جنس التلازم بين الرأي والشجاعة ، فالرأي أول وهو الفكرة ، والشجاعة ثانية وهي الحركة ، وإن كان منها ما يَبْطُنُ ، بل أصلها إنما يكون فِي الباطن ، فالشجاعة خلق باطن وإن ظهرت آثاره في الخارج فالمنشأ في الجنان والمظهر في الأركان ، فتلك حركة تَبْطُنُ فالشجاعة شجاعة الدين الأولى ، وبعدها شجاعة الرأي في السياسة والحرب وَثَالِثَتُهُمَا شجاعة الأبدان في المدافعة والمصابرة ، فَثَمَّ شجاعة الدين والرأي وبها المدافعة والمصابرة في ساحات الجدال بما يكون من الفكرة والدليل ، فالأولى دعوى ولا بد لها من بَيِّنَةِ الدليل الشاهد الذي يُرَجِّحُ ، وثم شجاعة الأبدان وبها ، أيضا ، المدافعة والمصابرة في ساحات الجلاد ، ولكلٍّ سلاحُه وَعُدَّتُهُ ، فَثَمَّ من التلازم بين الباطن والظاهر ما اطَّرَدَ إن في الإيمان أو في الكفر ، إن في الطاعة أو في المعصية ، فكان من الاحتمال ، احتمال النجاسة الَّتِي تَتَرَاوَحُ بَيْنَ الحس والمعنى ، لا سيما ونجاسة الباطن مما تظهر آثار له في الخارج فهي تُجَاوِزُ القولَ والعملَ فَلَا يَحْتَرِزُ مِنَ النَّجَاسَاتِ المحسوسة ، فثم تلازم يدق ، وإن لم يطرد في كل حال فَيَهُودُ من أنظف الناس في المأكل والمشرب والاحتراز من النجاسة حتى بلغت بهم الحال حد الجلالِ في هذا الباب فكان من التشديد في شريعتهم ، وذلك جلال التوراة استصلاجا لما قد ذَلَّ من نفوسهم وعقابا لهم على التَّنَطُّعِ وَكَثْرَةِ السؤال على الأنبياء : سؤالِ التَّشْقِيقِ وَالتَّدْقِيقِ والجدال في غير مواضعه لا سؤال التَّعَلُّمِ وَالتَّفَقُّهِ الذي يَنْفَعُ فصاحبه يسأل ليعمل لا ليجادل ويماري ، وخلافهم في الطريقة ما اشتهر من طريقة النصارى ، فَثَمَّ من الرَّهْبَنَةِ ما صَارَ مَضْرِبَ المثلِ في تَقْذِيرِ البدنِ طَلَبًا لطهارة الروح ! ، وذلك التحكم الذي يُحَجِّرُ الواسع فالجمع بَيْنَهُمَا جَائِزٌ بل وَوَاجِبٌ ، وهو مما يواطئ الشرعة والفكرة والفطرة والحس وسائر ما يَسْتَدِلُّ به كلُّ ذِي لب ، ومع ذلك فالأصل في ابن آدم يطرد ، أصل التكريم والتفضيل ، فـ : (لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) ، فذلك من التكريم العام الذي استغرق ، فدلالة "بني آدم" دلالة المضاف إلى المعرَّف بِالْعَلَمِيَّةِ "آدم" فذلك مما يكسب لفظه التعريف ودلالته التعميم فهو يستغرق كل إنسان ، مُؤْمِنًا أو كَافِرًا ، حَيًّا أو مَيِّتًا ، فذلك تكريم يَعُمُّ بالنظر في الجبلة والحس ، وهو ما يجاوز إلى المعنى ، فـ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ" ، فَثَمَّ طهارةُ أصلٍ تُسْتَصْحَبُ ، وهي طهارة التوحيد فطرةِ التكوين الأولى ، حَتَّى يَرِدَ الدليل النَّاقِلُ من خارج ، فكل أولئك مما يجري مجرى التخصيص لِلْعَامِّ الَّذِي اسْتُفِيدَ مِنْ تَسَلُّطِ النَّفْيِ على المصدر فِي "لَا يَنْجُسُ" ، فهو يقصره على نجاسة المعنى لا الحس ، فيجري ذلك مجرى النفي في الخبر : "لا يُؤمِنُ أحدُكُم حتَّى يكونَ هواهُ تَبَعًا لما جئتُ بهِ" ، فكلاهما مئنة من عموم قد اسْتُفِيدَ مِنْ تَسَلُّطِ النَّفْيِ على المصدر الكامن في الفعل الذي يحكي معنى النكرة ذيوعا وشيوعا في الحقيقة ، وهو مظنة عموم في الدلالة إذ يصدق في جميع أفراد الحقيقة في الخارج ، وكلاهما يستغرق ، أيضا ، فَثَمَّ انفكاكُ جهةٍ في الاستدلال ، فَإِنَّ نفي الإيمان في "لا يُؤْمِنُ" يَنْصَرِفُ تَارَةً إِلَى نَفْيِ الأصل الجامع ، نَفْيِ الصحة ، وأخرى إلى نَفْيِ الكمال الواجب ، ولكلٍّ وَجْهٌ في الدلالة مُعْتَبَرٌ فذلك شاهد يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، وكذا يقال في نفي النجاسة فِي : "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ" ، فَثَمَّ من دلالة المعنى ما دَلَّ على طهارة الجنان والأركان من مادة الكفر والعصيان ، وهو ما يجري مجرى الوسع والطاقة لا سيما في العصيان ، فَلَيْسَ ثَمَّ يُعْصَمُ إلا الأنْبِيَاءُ ، عليهم السلام ، على تفصيل في هذا الباب بُيِبنُ عَنْ وجوه العصمة وما شاركوا فيه العامة من وجوهِ نَقْصٍ بالنظر في أصل الجبلة ، وليست بمناط تكليف فمحل الشاهد ما كان من خلاف في جَوَازِ بَعْضِ الذنوب في حقهم ، صغائر لا تجاوز إلى الخسة التي تقدح في المروءة والعدالة ..... إلخ ، فذلك محلُّ بَحْثٍ في الأصول ، أصول الدين ، في باب النبوات ، فَثَمَّ مِنْ نَفْيِ النجاسة في حَقِّ المؤمنِ ما استوجب نَفْيَ الكفرِ الأكبرِ الناقض لأصل الدين الجامع ، وَإِنْ جَازَ فِي حَقِّهِ مَا هُوَ دونه من الكفر الأصغر الناقض لكمال الإيمان الواجب ، واستوجب نَفْيَ العصيانِ ، العصيان الأكبر الذي يكون في أقوال أو أعمال تَنْقُضُ أَصْلَ الدين الجامع ، ولو لم تكن اعتقادات تَبْطُنُ ، فَنَوَاقِضُ الحقيقة الإيمانية المجزِئَةِ فِي حصولِ اسمِ النجاة حصولًا مُعْتَبَرًا وهو المطلق الأول الذي لا يَبْلُغُ حد الكمال الواجب ، نَوَاقِضُ هذه الحقيقة ، وَهِيَ مطلقٌ أول ، نَوَاقِضُهَا تستغرق الاعتقاد والقول والعمل فلا يشترط في القول والعمل الاستباحة ، بل ثَمَّ من النَّوَاقِضِ القوليةِ والعمليةِ ما هو ناقض في نفسه اسْتَبَاحَهُ القائلُ أو الفاعل أو لم يَسْتَبِحْ ، فالاستباحة ، ولو لِصَغِيرَةٍ ، تَنْقُضُ الأصلَ فَعَلَ أو لم يَفْعَلْ ، فاسم الإيمان الذي صدر به السياق : "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ" ، ذلك الاسم مما يحتمل كما في عنوان النَّفْيِ في الخبر آنف الذكر : "لا يُؤمِنُ أحدُكُم حتَّى يكونَ هواهُ تَبَعًا لما جئتُ بهِ" ، فإن المؤمن كامل الإيمان وليست العصمة فيه شرطا ، كما تقدم ، ذلك المؤمن الذي استوفى الكمال الواجب لا يَنْجُسُ أبدا أي نجاسة ، لا كفرانا ولا عصيانا ، وما كان من معصية فهي الصغيرة أو ما فوقها مع حصول الناسخ من التوبة أو الحسنات العظيمة الماحية ....... إلخ ، فذلك وجه ، فتكون "أل" في "المؤمن" مَئِنَّةً مِنْ بَيَانٍ لجنسِ المدخول وهو الحقيقة الإيمانية المجردة التي تَثْبُتُ بِأَدْنَى قَدْرٍ من الحقيقة في الخارج ، وَمَئِنَّةً من استغراق للمعنى فهو يستغرق جميع وجوهه وذلك ما لا يكون إلا إيمانا وَاجِبًا قد اجتهد صاحبه في الإتيان بالفرائض تامة ولا يتصور ذلك إلا أن يكون ثَمَّ مندوب ، ولو جنسًا بِهِ جُبْرَانُ ما نَقُصَ من الفرض فقد يدخله الإيجاب من هذا الوجه فيكون جنس المندوب لا أعيانه يكون واجبا ولو في الجملة فهو واجب لغيره إذ به جُبْرَانُ مَا نَقُصَ من الفرض الواجب فيكون واجبا من باب : ما لا يَتِمُّ الواجب إلا به فَهُوَ واجب .
وقد تَقْتَصِرُ دلالة "أل" في "المؤمن" على بَيَانِ الجنس والماهية دون استغراق لوجوه المعنى فهو يُقَارِفُ من العصيان أو الكفر الأصغر ما يقدح في الكمال الواجب فَيَنْجُسُ من هذا الوجه ولكنه من آخر على طهارته الأولى ، طهارة الأصل إذ معه مِنْ مُطْلَقِ الإيمان ما يَثْبُتُ بِهِ قَدْرٌ من الحقيقة أو الماهية تجزئ في حصول مطلق الاسم الأول : اسم الإيمان المجزئ في حصول النجاة انتهاء وإن تقدَّمَه وعيد عصيان نَاقٍضٍ للكمال الواجب لا الأصل الجامع فهو الوعيد المؤقت فَيَتَقَدَّمُ في هذه الحال نَفَذَ أو لم ينفذ لِمَوَانِعَ مشهورة اسْتَقْرَأَهَا أهلُ الشأنِ ، فمعه في هذه الحال مُطْلَقِ إيمان بِهِ يَثْبُتُ قَدْرٌ من الحقيقة أو الماهية تجزئ في حصول مطلق الاسم ، لا الاسم المطلق : اسمِ الإيمان المجزئ في حصول النجاة ابتداء ، فذلك وجه اشتراك أول ، فالسياق ، من هذا الوجه ، يحتمل المؤمن كامل الإيمان ونظيره نَاقِصَ الإيمان وإن كان معه من الأصل الأول ما سَلِمَ من القادح ، فحصل له من الإيمان اسم يجزئ في ثبوت الماهية ، ولو مطلقَ إيمان أول ، فذلك مناط طُهْرٍ معنوي وإن غَيْرَ كامل فقد مازجه من نجس المعصية ما لم يَبْلُغْ نَجَسَ الكافر الكفر الأكبر الناقل عن أصل الدين ، فَهُوَ النجس نجسا أكبر بالنظر في معنى الدين الذي يبطن لا نجس الحس ، فقرينة التكريم العام : (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) ، تلك القرينة صارفة عن نجاسة الحس إلى نظيرتها في المعنى بما قام به من الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع فتلك مادة نجاسة كبرى تغلب ما خالطها من مادة طُهْرٍ ، فقد غَيَّرَتْ من الأوصاف ما به خرجت بالماهية من حد إلى آخر ، من طاهر إلى نجس كما النجاسة المحسوسة تُغَيِّرُ وصف الماء لونا أو طعما أو ريحا فتخرج به من حكم الطهارة إلى ضدها ، فمادة النجاسة المعنوية الكبرى ، نجاسة الشرك الأكبر تغلب ما خَالَطَهَا من مادة طهر مما يكون من خصال إيمان قد تحصل في المشرك ولكنها لا تَنْفَعُ في دار الجزاء الآخر حتى يكون الإقرار والجزم والتحول إلى الإيمان من الكفر ، فَتُنْسَخُ مادة النجس الأكبر بما يكون من مادة التطهير الأكبر ، مادة الإيمان ، ولو مُطْلَقًا أول به يحصل من الحقيقة الدينية ما يجزئ في ثبوت اسم المدح ، ولو مُطْلَقًا أول ، مطلق إيمانٍ لَمَّا يَبْلُغْ بَعْدُ حَدَّ الإيمان الواجب فذلك ما يُنَالُ باستيفاء الشرط ، فالعمل بالنظر في جنسه العام المستغرِق ، العمل ، من هذا الوجه ، شرط صحة فهو من ضَرُورَاتِ العقلِ فلا يوجد علمٌ مجرد من العمل التجريدَ المطلق بل لا بد له من آثار في الخارج تَصْدُقُ ، ولو مبادئَ لا يحصل بها عنوان المدح الكامل بما يكون من الإيمان الواجب ، والعمل بالنظر في بَعْضِ الآحاد المخصوصة ، الصلاة مثالا قد اشتهر في كتب الأصول ، العمل بالنظر في بعض هذه الآحاد شرط صحةٍ على قول من يحمل الكفران في تَرْكِ الصلاة على الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ولو كان التَّرْكُ كسلا لا جحودا ، فالجحود ، كما تقدم ، باب أعم ، فهو ناقض سواء أَصَلَّى الجاحد رياءً أو تَقِيَّةً أم لم يُصَلِّ ، بل لو صلى صادقا وَاعْتَقَدَ أَنَّ مَنْ لم يُصَلِّ فهو بالخيار فلا يُلَامُ ، من كانت تلك حاله فهو كمن عَفَّ فَلَمْ يَزْنِ وهو مع ذلك يُبِيحُ الزِّنَى لغيره ، فَمَرَقَ مِنَ الدين من هذا الوجه ، وجه الجحود لواجب أو الاستباحة لمحرم على وجه يفتقر كما سائر مسائل هذا الباب ، يفتقر إلى إقامة الحجة الرسالية ، وذلك مما قد عمت به البلوى بين إفراط وغلو وَتَفْرِيطٍ في مقابِلِه وجفاء ، فَطَرَفَاهُ الخوارج والمرجئة ووسطه أهل السنة فلا يكفرون بذنب إلا ما ورد الشرع أنه سبب في حصول المروق من الدين ، أو ما كان من استباحة أو استهزاء ..... إلخ من نواقض الإيمان اعتقادا أو قولا أو عملا .
وثم من العمل شطر ثالث فهو شرط في حصول الإيمان الواجب الذي يجاوز مطلق الإيمان الأول ، فلا زال العامل يعمل فإيمانه يزيد من مطلق أول حتى يبلغ حد الكمال الواجب ، وثم من العمل شطر رابع فهو يجاوز فَيَبْلُغُ بصاحبه درجة الكمال المستحب ، وكل أولئك ، لو تدبر الناظر ، مما يدخل في عموم الخبر : "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ" ، فَثَمَّ من مادة الإيمان ما يثبت بدلالة "أل" ، فهي ابتداء مئنة من بَيَانٍ للجنس والماهية وهو ما يحصل بأدنى قدر يجزئ في الخارج من تصديق بالجنان وقول باللسان يشهد وقسط من العمل يجري مجرى الجنس ، جنس العمل فهو شرط في صحة الإيمان مع استيفاء شروط وانتفاء موانع ، كما قيل في بعض الأعمال المخصوصة فهي مما شهد به الدليل فلم يكن التخصيص تحكما بلا دليل كما تقدم من حكم الصلاة آنف الذكر ، فهو من أشهر مسائل الباب ، على الخلاف المشهور في حكم تَارِكِهَا .
فَثَمَّ من الإيمان الأول ، مطلق الإيمان ، ما يثبت فيجزئ في حصول اسم ديني ينفع ، ولو بالنظر في المآل ، فلا تكون النجاة ابتداء ، فلا يخلو صاحبه من مناط وعيد بما فاته من الواجب وما قارف من المحرم لا ناقضا للدين في نفسه ، ولا مستهزئا ولا متهكما ، فذلك ، وهو مطلق الإيمان الأول ، ذلك اسم يَنْفِي النجس الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع بما يكون من نَوَاقِضَ في الباب إن اعتقادا أو قولا أو عملا ، فيكون من اسم الإيمان الأول ، مطلق الإيمان ما يزيل نجس الكفر الأكبر ولا يلزم منه نَفْيُ آخرَ وهو نجس الكفر الأصغر أو العصيان ، فهو يخالط الأصل الطاهر فَيُعَكِّرُ صفوه وإن لم يذهب به إلا أن يكون ثم استباحة للعصيان أو استهزاء ، أو يكون العصيان في نفسه من نواقض الإيمان ، فإذا اجتهد المؤمن فَبَاشَرَ من أعمال التكليف ما به إيمانه يكمل ، الكمال الواجب ، فلا ينجس أبدا فهو الطاهر الكامل وإن احتمل خَبَثَ مَعَاصٍ لا يسلم منها بشر ، إلا مَنْ عُصِمَ من الأنبياء ، عليهم السلام ، فذلك خبث يحتمله الإيمان إذا كَثُرَ فَبَلَغَ القلتين فلا يحمل الخبث ! ، وإذا جاوز الواحب إلى المستحب صار من عنوان الإيمان ما يجاوز الأصل والواجب ، فانتفاء النجاسة كفرانا أو عصيانا يثبت من باب أولى ، فاحتملت "أل" في "المؤمن" ، كما تقدم ، ثلاثة وجوه ولكلٍّ من نَفْيِ النجس ما يُوَاطِئُهَا ، فاحتملت بَيَانَ الماهية دون استغراق لآحادها الواجبة فذلك ما يَنْفِي النَّجَسَ الأكبر وحده دون آخر أصغر فهو مناط وعيد وإن لم يكن من الوعيد المؤبد كما وعيد النَّجِس النَّجَسَ الأكبر ، واحتملت "أل" في "المؤمن" بَيَانَ الماهية واستغراق آحادها الواجبة فذلك ما يَنْفِي النجس من باب أولى ، الأكبر والأصغر ، وإن لم يسلم صاحبه من المعصية ، وَلَوْ غَفْلَةً ، فَثَمَّ من الحسنات العظيمة الماحية ما أَدْخَلَهُ فِي حَدِّ المؤمن كاملِ الإيمان فأذهب عنه رجس العصيان ، وثم وجه ثالث به انْتِفَاءُ النجس من باب أولى ، فتلك دلالة الكمال المستحب فهو المؤمن الذي استوفى الأصل وَزَادَ خِصَالَ الواجبِ بل هو في المستحب بسهم ضارب ، فاحتمل الوجوه الثلاثة بلا تَعَارُضٍ وَلَا تَنَاقُضٍ إذ الجهة قد انْفَكَّتْ وذلك ، أيضا ، ما به يستأنس من يُجَوِّزُ دلالة العموم في اللفظ المشترك ، وثم وجه آخر يجري مجرى العموم ، فلا ينجس لا نجاسة الحس ولا المعنى ، فإطلاق العامل في سياق النفي مئنة من عموم تَقَدَّمَ ذكره ، وذلك ما يدل على إنشاء يلازم أن : آمِنُوا لِيَثْبُتَ لكم من وصف الطهارة ما يحمد وَيَنْتَفِي عنكم من وصف النجاسة ما يَقْبُحُ ، فذلك المنطوق ، كما في الخبر : "لا يُؤمِنُ أحدُكُم حتَّى يكونَ هواهُ تَبَعًا لما جئتُ بهِ" ، فلا يخلو من دلالة إنشاء أن اتَّبِعُوا ما جاء به الوحي ليسلم لكم الإيمان من النفي ، فثم المنطوق طردا في الخبر : "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ" ، خلاف ما يكون من المفهوم عكسا ، فالكافر ينجس ، وهو ما دخله التخصيص بالنقل والعقل ، فاقتصر على نجاسة المعنى لا الحس ، كما تقدم من قوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) ، وهو ، أيضا ، ما يفيد بدلالة التلازم ، فالإخبار عن الكافر أنه نجس يستلزم النهي عن القول أو العمل الجالب للوصف القبيح من النجاسة ، ويستلزم ، من وجه آخر ، الأمر بضده إذ يستجلب الوصف المحمود من الطهارة ، فَاطَّرَدَ السياق وَانْعَكَسَ ، إن في الخبر أو في الإنشاء ، وذلك ما ظهرت آثاره في جملة من أحكام الفروع ، كما تقدم من الذكر وقراءة آي الكتاب المنزل ، على خلاف قد اشتهر ، فَثَمَّ من حظر القراءة في حق الجنب ، فاستدل بحديث علي رضي الله عنه : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقرئنا القرآن ما لم يكن جنباً" ، والكينونة الماضية مئنة من ديمومة وذلك آكد في إثبات المعنى وقرينة إيجاب ترجح بما يكون من المداومة فَتِلْكَ من أمارات الإيجاب وإن لم تَبْلُغْ حَدَّ النَّصِّ الجازم في الباب ، وقد أجيب أَنْ لَيْسَ ثَمَّ دلالة نهي فتلك حكاية حال تطرد ، وهي ، مع ذلك ، قد تحمل على الندب ، أن يَقْرَأَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو طاهر من الحدث ، فكم من أقوال وأعمال داوم عليها صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليست بواجبة كالوتر وركعتي الفجر والسواك ...... إلخ ، فَكَرِهَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَنْ يَقْرَأَ جُنُبًا ولم يكن ثم تحريم قاطع ، فتلك قرينة احتمال معتبر تسقط الاستدلال بالخبر ، كما في قوله تعالى : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) ، فإذا حملت الطهارة في الآية على طهارة الحس فكان المخاطَبُ في الآية بني آدم ، فذلك من الخبر الذي يجري مجرى الإنشاء أَنْ تَطَهَّرُوا قبل مس المصحف ، وذلك ما أطلق فاستغرق الطهارة من الحدثين : الأكبر والأصغر ، ويؤيده كتاب عمرو بن حزم وفيه : "ألا يمس القرآن إلا طاهر" ، فإطلاقه ينصرف إلى الطهارة من الحدثين ، وثم من يجيب بما تقدم من الاحتمال الذي يسقط به الاستدلال ، فإن المطهَّرِينَ في الآية : (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) ، هم الملائكة ، لقرينة : (فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ) ، فهو الكتاب المحفوظ في السماء ، لوح التقدير ، وثم من يعكس ، فإن القرينة : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) ، تُرَجِّحُ المطهِرين من البشر ، فكان من الاحتمال المعتبر ، أيضا ، ما سقط به الاستدلال ، وَثَمَّ من يجري ذلك مجرى الاشتراك ، فهو دليل يَسْتَأْنِسُ به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك فيصدق فِي بَنِي آدم بقرينة القرآن الكريم ويصدق في الملائكة بقرينة الكتاب المكنون ، فَيُحْمَلُ الطهر في الآية على الطهر المطلق طهر المعنى في حق الملائكة وهو ، من هذا الوجه ، خبر مجرد من الدلالة الإنشائية ، والطهر المحسوس من الحدثين ، الكبر والأصغر ، في حق بَنِي آدم على تأويله بالأمر أَنْ : تَطَهَّرُوا قَبْلَ مَسِّ المصحف ، فالدلالة الإنشائية مُعْتَبَرَةٌ مِنْ هَذَا الوجه ، ولا يخلو الأمر بِالتَّطَهُّرِ من دلالة المعنى أَنْ : آمِنُوا فَتَطَهَّرُوا من رجس الشرك قَبْلَ أَنْ تَمَسُّوا المصحف على قول من يحرم مس المشرك المصحفَ ، فصحت الدلالة على كلا الوجهين ولا تعارض بل ذلك ما يَرْفِدُ السياق بوجوه من المعنى تَصِحُّ فَيَثْرَى بِهَا وَيَزِيدُ ، فضلا أن الخبر قد جَزَمَ أَنَّ المؤمن لا ينجس ، فهو طاهر وإن كان جُنُبًا إذ الجنابة ليست بنجاسة ، فيصدق في المؤمن الجنب أنه طاهر بالنظر في معنى الإيمان الباطن ، فهو ، من هذا الوجه ، يدخل في عموم : "ألا يمس القرآن إلا طاهر" ، فهو ، وَإِنْ جُنُبًا ، طاهرٌ في المعنى إذ هو من الجنس المؤمن ، بل قد يَتَوَسَّعُ مَنْ يَتَوَسَّعُ في الدلالة فَيُجِيزُ مس المصحف للكافر فإنه طاهر البدن فيدخل من هذا الوجه في حد الوصف ، وصف الطاهر في كتاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "ألا يمس القرآن إلا طاهر" .

والله أعلى وأعلم .




منتدى الموثق فيصل الحكمي - موثق وكالة معتمد بالرياض

Powered by PBBoard ©Version 3.0.3