منتدى الموثق فيصل الحكمي - موثق وكالة معتمد بالرياض




  • faisal.hakami من :مصر yes إهداء من إدارة منتدى الحكمي للتوثيق لـ فريق توثيق , على نشاطه ومواضيعه المتميزة في المنتدى, كل الشكر والتقديري وبإنتظار المزيد smile
    faisal.hakami من :السعودية - مدينة الرياض wink_3 توثيق الأعمال مع الحكمي أسهل واسررع - لا داعي لترك منزلك او مقر عملك من أجل التوثيق - سنذهب إليك اينما كنت داخل الرياض, نوثق لك وأنت في منزلك أو مقر عملك yes
    faisal.hakami من :مدينة الرياض yes موثق وكالات معتمد بالرياض - وثق وانت في منزلك - نأتيك اينما كنت - إتصل الآن: 0567663666 - أو سجل طلبك بالضغط هنا cool
    faisal.hakami من :مدينة الرياض cool yes تم افتتاح موقعنا الجديد (الحكمي للمحاماة والإستشارات القانونية) لطلب محامي في قضية او استشارة يرجى الضغط هنا smile cool
    اضافة إهداء
    (المعذره .. غير مسموح للزوار بإضافة الإهداءات, الرجاء التسجيل في المنتدى)


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتدى الموثق فيصل الحكمي - موثق وكالة معتمد بالرياض، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





خُلُوقُ الإيمان وتجديده

ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : quot;إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ ..



05-04-2020 07:30 صباحا
الحكمي RSS موثق وكالة
فريق انجزلي لخدمات الويب
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 15-06-2019
رقم العضوية : 172
المشاركات : 74957
الدولة : السعودية
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 210
موقعي : زيارة موقعي
 offline 

ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ فَاسْأَلُوا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ" ، فكان من التوكيد القياسي بالناسخ اللفظي "إِنَّ" ما أشاد بالمعنى ، ومثله آخر من جنسه ، جنس التوكيد اللفظي ، فلام الابتداء المؤخرة قد دخلت على الخبر "لَيَخْلَقُ" فَزَادَتْهُ في المبنى فَثَمَّ أخرى تُضَاهِيهَا في المعنى ، مع ما لِلَّامِ من دلالة أخص ، فهي نص في الباب ، باب التوكيد اللَّفْظِيِّ ، فدخلت على الخبر وهو ، أيضا ، مما زِيدَ في حَدِّهِ فَحُدَّ حَدَّ الجملة ، فاحتمل عاملها المضارع "يَخْلَقُ" ضميرا يرجع إلى المبتدأ "الإيمان" ، فَثَمَّ تكرار في الإسناد ، وهو ، أيضا ، من جنس التوكيد ، فَثَمَّ مبتدأ لا يخلو من معنى الفاعل وإن لم يكن نصا فيه ، مع ما يحمله السياق من بَيَانٍ ، فَإِنَّ إسنادَ الفعلِ إلى الإيمان ، ولا يخلو من دلالة تكليف ، وإن حكايةَ حَالٍ ناقصة وهي الفتور والكسل ، بل قد تذم فيكون منها ما يفوت صاحبه من الإيمان فَرْضًا أو واجبا وإن لم يقدح في أصل الدين الجامع فلا يخلو أن يقدح في كماله الواجب ، وهو معنى يتفاوت ، فالذم فيه ، أيضا ، يتراوح ، فَيَكُونُ لِكُلِّ تَرْكٍ لواجبٍ أو فَرْضٍ ، يكون له من قسط الذم والوعيد ما يضاهيه ، كما المراء في قوله تعالى : (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى) ، فَثَمَّ توبيخ في الآية يتراوح ، فهو يجري مجرى الجنس المطلق الذي يجرده الذهن فتحته أنواع تتراوح في الحكم ، وإن واحدا ، وهو الذم والوعيد فلا تستوي فيه آحاده ، فليس ذم من مَارَى فِي أصلٍ كَذَمِّ من مَارَى في فرع ، وليس ذَمُّ من مَارَى في أصل يزول الإيمان بِزَوَالِهِ كَذَمِّ من مارى في أصل لا يزول الإيمان بزواله ، وإن كان من المحدثات الدينية الكبرى ما هو محل تحر بالنظر في الحكم المخصوص ، فهي ، أيضا ، من الجنس العام الذي يجرده الذهن ، فَثَمَّ مِنْهَا ما يقدح في أصل الدين الجامع كما يضرب المثل في كتب المقالات بمحدثات الفلاسفة والباطنية ، وثم منها ما يقدح في كمال الدين الواجب كما يضرب المثل بمحدثات الخوارج والمرجئة ، وثم منها ما يعم حكمه المطلقَ والمعيَّنَ جميعا إذ لا يعذر صاحبها إلا على ندور لا حكم لها وإن وجب استثناؤها فهي مما يقدر بقدره فلا يجاوز محله ، فهي ، في الجملة ، مما لا يعذر صاحبه إذ أَنْكَرَ مِنَ الدين ما هو عِلْمُ الضرورة الذي لا يفتقر إلى نظر أو استدلال فهو من البدائه لا سيما في دور الإسلام التي فَشَا فيها العلم ، وإن كان ذلك في غيرها محلَّ نَظَرٍ ، فلا يَتَوَاتَرُ في غيرها من المعلوم الديني الضروري ما يَتَوَاتَرُ فيها ، بل قد تَتَفَاوَتُ محال الإسلام في ذلك ، فيكون من ظهور المحدثة الكبرى في دارٍ ما يعذر أصحابه ، ولو في الجملة ، ولا يَطَّرِدُ العذر في حق غيرهم ممن درجوا في مهاد الإسلام والسنة ، ومنها ، من وجه آخر ، ما يقتصر الحكم فيه على المطلق لا المعين ، فَلَئِنْ حُكِمَ على القول أنه قادح في أصل الدين الجامع فقد يكون في بابٍ محله النظر لا الضرورة ، لا سيما إن كان الحكم بِالنَّظَرِ في لازم المقالة لا في أصلها ، فَثَمَّ مَنْ يقول القول ولا يفطن إلى لوازمه فإذا أُلْزِمَ بها رجع ، فلا يحكم عليه بادي الرأي إلا أن يَنْتَحِلَ القول وَيَنْتَحِلَ لوازمه فإذا أُلْزِمَ بِهَا الْتَزَمَ .
فوجب التحري في الحكم على الأعيان وإن حُرِّرَ المناط تحرير الناقض لأصل الدين الجامع ، فلا يكون كسابقه الذي يستوي فيه المطلق والمعين ، فالحكم في هذا الموضع يقتصر ، بادي الرأي ، على المطلق ، فيشبه تحرير المناط سواء أكان من المنصوص المفرد أم من المنصوص في جملة أوصاف فيجتهد الناظر في تنقيحه أم من غير المنصوص فدائرة الاجتهاد فيه أوسع فيجتهد النظار في تحريره ، فإذا استقر المجتهد أن المناط المحرَّر ناقض من نواقض الأصل ، فذلك باب ، وما يكون من تَعْدِيَتِهِ إلى محل مخصوص ، تعدية القياس إذ يجاوز بالحكم الأصولَ إلى الفروعِ ، ذلك باب آخر ، فقد يَتَّفِقُ مجتهدان في تحرير المناط فهو واحد يجرده الذهن تجريدَ الجنس العام ، ويختلفان في تحقيقه في الخارج في محل مخصوص ، فهو فَرْدٌ من أفراد العام قد يفوته شرط أو يقوم به مانع يحول دون نفاذ الحكم ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أصل جامع في جميع الأحكام ، وَإِنْ أحكامَ التجريب في الحس الظاهر ، فَثَمَّ حكم يجري مجرى القانون أو الأصل الجامع ، وثم من آحاد التجارب ما قد يفوته الحكم فلا يقدح في الأصل ، وإنما حصل في هذا الموضع المعين ، حَصَلَ من المانع ما حَالَ دون نفاذ الحكم أو قد افْتَقَرَ المحل إلى شرط من شروط الحكم .
فإسناد الفعل إلى الإيمان في الخبر آنف الذكر : "إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ" ، إِسْنَادُهُ لا يخلو من دلالة تَجَوُّزٍ ، فإن الإيمان ليس شخصا في الخارج ، والنطق يَنْصَرِفُ ، بَدَاهَةً ، إلى المؤمن أن يَتَحَرَّى حاله إن نقصت أو فترت ، فكان من التوكيد بتكرار الإسناد ، فالإيمان فاعل في المعنى وإن حُدَّ حَدَّ الابتداء على ما تَقَدَّمَ ما تجوز في الإسناد ، وثم فاعل لفظ قد استكن في عامله المضارع "لَيَخْلَقُ" ، ومرجعه إلى المبتدأ الذي تَقَدَّمَ ، فالإطناب قد أفاد في صناعة النحو رِبَاطًا بين شطري الكلام ، وَأَفَادَ في صناعة المعاني تِكْرَارًا يُؤَكِّدُ ، تكرار الإسناد ، مع إطناب في الخبر إذ حُدَّ حَدَّ الجملة "لَيَخْلَقُ" فذلك ، أيضا ، مما به زيادة المعنى فرعا على زيادة تضاهيها في المبنى ، وحكاية الخبر حكاية المضارع مما به استحضار الصورة ، من وجه ، واتصال الظرف ، ظرف التكليف من آخر ، فَثَمَّ مِنْ مُؤَكِّدِ اللَّفْظِ ما تَقَدَّمَ ، وهو ما زَادَتْهُ اسمية الجملة وهي ، في المقابل ، من مُؤَكِّدِ المعنى ، ولا يخلو الخبر ، كما تقدم ، من دلالة استعارة ، فقد استعير البلى وَالْخُلُوقُ المحسوس ، اسْتُعِيرَ لآخر معقول ، وذلك ما قد حُدَّ حَدَّ التشبيه المرسل الذي استوفى أركانه : المشبه والمشبه به وأداة التشبيه ، وهو ما به يستأنس من يجوز المجاز في اللسان والوحي ، ومن ينكر فهو على أصل مشهور قد طَرَدَهُ في سائر النصوص ، فإن قصر الخلوق على المحسوس بالنظر في أصل الوضع الأول ، لا يخلو من تحكم ، فهو دعوى بلا بينة ، فَيُجْزِئُ في رَدِّهَا أخرى تكافئها ، فالخلوق قد وضع ابتداء لما عقل ثم استعير لما يدرك بالحس الظاهر ، فما يحول دون هذه الدعوى في مقابل الأولى ؟ ، وليس ثم دليل أو شاهد على أصل الوضع الأول أكان للمعقول أم المحسوس .
فالعدل أن يَتَوَسَّطَ الحاكم في حكمه ، فَيُجَرِّدَ في الذهن جنسا أعم ، فهو مئنة من القدم والبلى ، ما حُسَّ وما عُقِلَ ، فذلك عنوان جامع ، وتحته من الآحاد ما يحتمل ، وقرينة السياق والحال دليل يرجح ، ففي كل حال وسياق من المعنى ما يرجح ، كما في هذا الموضع الذي اقْتَبَسَ فِيهِ الناظر مِنَ السياق قرينةً ترجح المعنى المعقول ، ولكلِّ محل من القرائن ما به يحتف ، فَتَارَةً يُرَجِّحُ الخلوق المعقول وأخرى يُرَجِّحُ الخلوق المحسوس ، فذلك مما يجري مجرى التأويل ، فالجنس العام الذي يجرده الذهن يجري مجرى المشترك في الدلالة ، فهو مجمل تَتَزَاحَمُ فيه الوجوه ، ما عُقِلَ وَمَا حُسَّ ، ودلالة اللفظ المشترك عليها واحدة ، وإن رَجَحَ بَعْضٌ على حد المشكك ، فاللفظ لم يراوح حد الإجمال ، تَوَاطُئًا يَتَسَاوَى أو تشكيكا يَتَرَاجَحُ ، فلا ينفك يفتقر إلى قرينة من خارج ، فهي الدليل المرجح وهي الشطر الثاني من الظاهر المركب الذي يجاوز حَدَّ الظاهر البسيط مما يحكيه المعجم حكاية الإطلاق فلا تَنْفَكُّ تَفْتَقِرُ إلى القيد ، وهو ما يكون من سياق أو حال ، فتلك القرائن التي تُرَجِّحُ حالَ الإجمال ، فَمَا كان ظاهرا راجحا بادي الرأي قد تَرْفِدُهُ القرينة السياقية أو الحالية فَتَزِيدُهُ رجحانا على رجحانه وَتَبْلُغُ بِهِ حد اليقين والقطع فهو نص في الباب وإن كان ابتداء من الظاهر المحتمل بالنظر في أصل المعجم الأول ، فالقرينة قد رفدته زيادةً في معناه فارتقت به درجة فَمِنْ ظَنِّ الظاهر الراجح إلى يقين النص القاطع ، وقد تخالف به القرينة عن الجادة ، فترجح المرجوح لا الراجح ، فيجري ذلك مجرى التأويل في اصطلاح مَنْ تَأَخَّرَ ، فلم يكن صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح مطلقا يتحكم المستدل فيه فيرجح ما يواطئ هواه أو ذوقه ، وإنما اشترطت فيه القرينة الصارفة ، وإن لم تخل ، أيضا ، من تحكم فَثَمَّ من يَعْتَبِرُ مِنَ القرائن ما لا يُعْتَبَرُ ، وَثَمَّ مَنْ يَتَوَسَّعُ فِيهَا كمن يجري قرينة العقل في باب خبر ، فالأصل فيه التوقيف فلا يدرك بالقياس أو الرأي ، فهو يجاوز مدارك الحس ، فمناط الصحة في باب التأويل أن يكون من جنس القرينة ما يصح فهو يواطئ الباب ، فَبَابُ الأخبار أضيق فلا اعتبار فيه إلا بقرينة السياق لفظا ، وباب الأحكام أوسع إذ منها ما يُدْرِكُ العقل مناطه ، فيصح فيه التعليل ، وهو ما يَرْفِدُ دلالتَه بالقياس على الأصل فَثَمَّ من المعنى ما تَصِحُّ إناطة الحكم به ، وهو ما يجاوز الأصل المنصوص وهو المقيس عليه إلى الفرع غير المنصوص وهو المقيس ، وقد يكون من المعنى ما يجاوز العلة المخصوصة إلى مناط أعم من مصلحة أو عرف أو استحسان أو سدٍّ لذريعةٍ وشرطه أبدا ألا يخالف صاحبه عن جادة المنصوص من حكم الشريعة .
وذلك ، لو تدبر الناظر ، تأويلٌ لا يُسَلِّمُ به المخالف في باب المجاز بل يجريه مجرى الظاهر فلا تأويل إذ حَدُّ الظاهر في اصطلاحه ما يَتَبَادَرُ من الدلالة وهي مجموع مركب من دلالة المعجم المطلقة ودلالة السياق المقيدة .

وما كان مشتركا على حد التساوي لا التراجح فهو من المتواطئ بالنظر في دلالته على آحاده فَافْتِقَارُهُ إلى القرينة أظهر ، فهي المرجح من خارج لما استوى طرفاه فيجري مجرى الجائز في قسمة النظر المشهورة : المحال والجائز والواجب ، فالجائز يفتقر إلى المرجِّح فلا يجزئ في ثبوته احتمال الجواز فتلك دعوى يجزئ في ردها أخرى تضاهيها في القدر وتعاكسها في العقل ، فمن أثبت بلا بينة كمن نفى بلا بينة ، بل من يَنْفِي قد يكون أسعد حظا إذ يستصحب العدم الأصلي لا سيما في أحكام التكليف فالأصل فيها البراءة الأصلية : براءة الذمة حتى يكون ثَمَّ من التكليف عهدة لا يخرج منها إلا بقدر زائد من التصديق في الأخبار والامتثال في الأحكام ، وإلا فذمته ابتداء بَرِيئَةٌ حتى يَبْلُغَهُ حكم الشريعة ، فلا يجزئ في الجائز المحتمل لوجهين قد تكافآ أو تَقَارَبَا ، لا يجزئ فيه إلا قرينة من خارجه فهي قدر زائد على محض الدعوى ، فإذا تساوت وجوه المعنى في المتواطئ وجب التوقف حتى يَرِدَ دليل من خارج ، فهو يرجح معنى دون غيره ، وقد يدل على أكثر من واحد ، بل قد يَسْتَغْرِقُ المعاني جميعا لا على حد التَّعَارُضِ أو التَّنَاقُضِ ، وإنما انفكت الجهات فلكلِّ معنى جهة تصح وهي تخالف عن غيرها فجاز الجمع كما يقول من يُجَوِّزُ العموم في دلالة اللفظ المشترك .

وَثَمَّ وجه آخر فِي البيان ، فكان من ذكر الجوف في قوله عليه الصلاة والسلام : "لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ" ما يجري مجرى العام الذي يُرَادُ به الخاص ، فإن الجنان محل الإيمان ، وهو محل أخص من الجوف الأعم ، وذلك ما يستوجب القيد ، فإن محل الإيمان وإن كان في الجوف ابتداء ، فمنشؤه ما يكون في الجنان من العرفان الأول الذي به قيام الحجة الرسالية ، وما يَتْبَعُهُ من التصديق فهو مرجح باطن يدل على القبول والمحبة ، وذلك باعث الإرادة فعلا وَتَرْكًا ، فيكون من تأويلها في الخارج قَسِيمٌ يشاطرها حد الإيمان ، وهو القول والعمل ، وهو ، من آخر ، يصدقها فهو البينة على صدق الدعوى الإيمانية الباطنة ، فالإيمان يخلق في الجوف وفي الأركان ، وإن كان خلوقه في الجوف هو الأصل ، فإذا صَلُحَ الجوف وهو المحل الأول صلحت الأركان جميعا ، فَيَصْلُحُ لسان الذكر المصدِّقُ وتصلح الأركان ، أركان العملِ المصدِّق ، فَثَمَّ محلان يصدقان ما وَقَرَ في الجوف ، محل النطق ومحل الفعل ، فقول باللسان وعمل بالأركان وبهما اكتمال القسمة الدينية المجزئة ، فإذا صَلُحَ الجنان صَلُحَتْ بَقِيَّةُ الأركان ، وإذا فَسَدَ فسدت ، فإذا خلق الإيمان في الجوف فآثار خلوقه في القول والعمل تظهر ، وإذا باشر العبد أسباب التجديد ومنها الذكر والدعاء فآثار التجديد في اللسان والأركان تظهر ، فَيَنْبَعِثُ من مادة الإيمان ما يصلح الحال والمآل ، ويكون عمران الأرض بما يقام من شريعة الحق ، وذلك ما يجاوز ، بداهة ، حد العرفان المجرد كما يقول بَعْضٌ قد تَقَدَّمَ ، وآخر قد تَأَخَّرَ ، فتلك مقالة أَخْرَجَتِ العمل من حَدِّ الإيمان ، فَبَطَلَ أَثَرُهُ في الأرض أو ضَعُفَ ، وهو ما واطأ حظوظ الطواغيت والفجار إذ لا تكليفَ يُلْزِمُ ، ولا قَيْدَ يُلْجِمُ ، فالمادة الدينية قد اخْتُزِلَتْ في تصور ساذج في الجنان لا أَثَرَ له إن في أعمال الباطن أو نظائرها من أعمال الظاهر ، فذكر الجوف ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فالإيمان يخلق في الجوف ابتداء ، ثم تسري الجناية في سائر الأركان ، فَيَكُونُ فُتُورُ اللسان أن يذكر وَيَتْلُوَ ، ويكون فُتُورُ الأركان أن تَفْعَلَ وَتَتْرُكَ ، فتقدير الكلام على هذا التأويل : إن الإيمان ليخلق في الأركان جميعا ، وثم من الإضافة في : "فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ" ما يجري مجرى العموم ، ولفظ الأحد المذَكَّرِ جَارٍ عَلَى ما تَقَدَّمَ مِرَارًا من دلالة التغليب فهو يجاوز حد التذكير لقرينة العموم في خطاب التكليف ، وبعد الخبر ، وهو جار مجرى التقدمة بالعلة بين يدي المعلول ، وهو التكليف الذي عطف بالفاء ، ولا تخلو من دِلَالَةِ السببية وإن لم تكن نصا فيها ، فضلا عن دلالة الفور والتعقيب فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، فكان من التكليف أمر أَنِ : "اسْأَلُوا اللهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ" ، فلا يخلو من دلالة الإيجاب ، فذلك الأصل ، ويشهد له أصل في الذرائع ، فما لا يتم الواجب به فهو واجب ، فالخلوق إن بَلَغَ حَدَّ القعود أن يَأْتِيَ المكلف بما به قد كُلِّفَ ، فالذم إليه يَتَوَجَّهُ إذ إيمانه يَنْقُصُ فلا يَسْتَوْفِي كماله الواجب ، بل قد يكون الخلوق في مواضع سَبَبًا في زوال الحقيقة الإيمانية كلها ، وإن أصلا أول يحكي مطلق الحقيقة وهو أدنى ما يصدق فيه لقب الإيمان ، فيكون الذم في هذه الحال أعظم ، ويكون الوعيد فيها من الجنس المؤبد ، فإذ حصل هذا القعود ، والدعاءُ أن يُجَدَّدَ من آثار الإيمان ما خَفِيَ ، ذلك من جملة ذرائع بها يتوسل الناظر إلى القدر المجزئ ، وهو كمال الإيمان الواجب ، فكان واجبا من هذا الوجه إذ هو ذريعة إلى واجب أعظم ، وهو حصول الإيمان المجزئ ، فالأمر ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الإيجاب ، ولا يخلو من دلالة النصح والإرشاد ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، أن يكون مئنة من الندب ، فقد يكون الفتور أَنْ يَنْهَضَ بُجُمَلٍ من المندوبات فَيَقْتَصِر على الواجبات فلا يَتَوَجَّهُ إليه الذم المطلق ، وإن كان من التقصير ما لا يحمد ، لا سيما إن كان ذلك أمرا يَطَّرِدُ وَيَطُولُ ، فَيَتْرُكُ من المندوبات ما يكثر ، ويستمرئ من ذلك ما يستمرئ فيكون له سجية وعادة ، وذلك أول الوهن ، فلا يزال الخرق يَتَّسِعُ فلا يطيق الراتق رَتْقَهُ ، فيكون من زوال السياج : سياج المندوبات ما يحوط الواجبات ، فَإِذَا اسْتَمْرَأَ العبدُ ترك المندوبات فُتُورًا وكسلا فضلا أن يَزِيدَ في ذلك استخفافا أو استهزاء فذلك ما يدخله في حد الذم بل قد تَبْلُغُ بِهِ الحال حَدَّ القدحِ ، القدحِ في أصل الدين الجامع ، فالسخرية والتهكم بأي شعيرة ، ولو مندوبةً ، مما يُفْضِي إلى المروق من أصل الملة ، فذلك ناقض بذاته وإن لم يكن صاحبه من الجنس التارك ، فمن يأتي بالواجبات وهو غير مصدق بإيجابها أو متهكم بها أو بِأَهْلِهَا أَنْ وَاظَبُوا عليها فذلك حديث الخرافة الذي جاءت به النبوة فصرفت الناس عن لذات الحس ، وجعلتهم أبدا في قَيْدِ الأسرِ ، فلم يَنْعَمُوا بالشهوات ، فقد نَغَّصَ الوحي مِنَّةَ الطبع ! ، فليس ثم رب خالق ولا إله شارع ، فذلك ما اقترح الطواغيت لِيُرْهِبُوا العباد ، وذلك إن صح به الاستدلال ، فهو الدين الباطل سواء أكان محدثا في الأرض يفرط في الورع والزهد فَيُثَبِّطُ الخلق أن ينكروا الظلم ويسعوا في دفعه أو رفعه ويستبدلوا به مادة العدل ، أم كان من الجنس المنزَّل ، ولكن بعضا من الكهنة قد بَدَّلَ أو أَوَّلَ ، فكان من الشرع المبدل أو نظيره المحرف الذي يحمل عنوان التأويل حملان التدليس لِيَسْتُرَ من سوأته ما يَقْبُحُ كَشْفُهُ ، فَيُزَخْرِفَ الجناية أن يكسوها لحاء الديانة فهو يَتَذَرَّعُ بألفاظها ، والتأويل منها ، ويجريه على خلاف الأصل المتبادر بلا قرينة معتبرة في الخارج ، فيتكلف من تأويل النصوص ما به يخرج عن الحد المشروع بل ونظيره المعقول في أحيان كما تقدم من تأويلات الباطن ، فكل أولئك مما عظمت به الجناية أن تَذَرَّعَ به في مقابله من يَرُومُ نَقْضَ الأصلِ ، أصل الدين كله ، محدثا أو منزلا ، محفوظا أو محرفا ، فيروم الانعتاق من ربقة التكليف كله ، فَعَظُمَ الشؤم ، لا سيما في الأعصار المتأخرة وقد فَشَا الإرجاء وَازْدَهَرَ وَصَارَ هو الأصل فالإيمان لا يُغَادِرُ الجوف ، فلا أَثَرَ له في قول أو عمل ، في خاص أو عام ، في شرع أو حكم ، في سلم أو حرب ، في ورع أو زهد ، فهو قول ساذج لا يغادر المحل الباطن عرفانا يستوي فيه من آمن ومن جحد أو تصديقا لا يَسْتَوْفِي قسطا من الحقيقة الدينية يجزئ ، أو تصديقا وقولا يَخْرُجُ العمل من حَدِّهِ ، وإن جنسا عاما يخرج به صاحبه من العهدة فَتَبْرَأُ الذمة من لقب الذم الأكبر ، وإن لم تستوف الحد الواجب بما يكون من حقيقة في الخارج : حقيقة الاعتقاد والقول والعمل ، فتلك الماهية الدينية المركبة من أجزاء تَتَقَاسَمُهَا ، فَكُلُّهَا يَنْدَرِجُ تحتها انْدِرَاجَ الأنواع تحت الجنس ، أو الآحاد تحت العام ، أو الأفراد تحت الحقيقة ...... إلخ من أوصاف القسمة ، فكان من شؤم المقال المحدَث أن أخرج العمل من حد الإيمان ، لا سيما ما لم يواطئ حظوظ الطواغيت من أرباب الولايات العامة ، فلا يطيقون مَنْ يُنْكِرُ أو يستدرك بل قد تضيق الصدور عمن يرشد أو ينصح وإن تَلَطَّفَ في القول ما أمكن ، بل قد تَبْلُغُ الحال أن يبطش الظالم بمن حوله ممن يظاهر ويشايع ، فلا يسلم من ظلمه أحد ، قَرُبَ أو بَعُدَ ، وهو في ذلك لا يَنْفَكُّ يَفْتَقِرُ إلى من يكسو أمره لحاءً من الزخرف يُحَسِّنُ قَبِيحَ قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ ، وَيُصَيِّرُ ظلمَه آيةَ العدل ! ، وفجوره غايةَ الشرع ! ، فذلك ما يُنَفِّرُ الخلق من دِينِ الحق أَنْ صَارَ ذريعةً إلى الظلم والفجور ، وصار علماؤه كهنة يَتَأَوَّلُونَ ، فكان عَلَى ضده من لم يعدل فيسلك الجادة المثلى ولا يحيد عنها فيغلو في الكفران فهو يجحد النبوات وما جاءت به من الأخبار والأحكام فليس إلا حديث الخرافة الذي به يَتَهَكَّمُ ، فَدَارَ الأمر بَيْنَ قَصْدٍ وَطَرَفَيْنِ ، فَقَصْدُ السبيل أن يسلك جادة الوحي فيدخل في السلم كافة ولا يفرق بين متماثلاته فيؤمن بِبَعْضٍ ويكفر بِبَعْضٍ تحكما لا دليل عليه من نقل أو عقل ، وإنما الهوى وحظ النفس في لذة أو جاه أو رياسة ، فقصد السبيل أن يَتَّبِعَ ما استقام من صراط الحق إن في الخبر أو في الحكم ، إن في الباطن أو في الظاهر ، وطرفاه : غال في الدين فهو الحبر أو الكاهن الذي يجاوز الحد فينقلبُ طاغوتا أو يحاج عنه فَيَتَأَوَّلُ له من الذرائع ما به يتوسع في المظالم ، وآخر جَافٍ قَدْ مَرَقَ من الدين كله فاستنكف ظلم الحكام والكهنة ، ورد الأمر ، فَسَادَ رأي أو حَظَّ نفس فلا يسلم منه أيضا ، رَدَّهُ إلى الوحي الذي يَنْتَحِلُهُ أولئك زورا ، فالوحي يأطره أيضا فلا يُطْلِقُ له عنان الحظ والشهوة ، فكلاهما ، لو تدبر الناظر ، يمقت الوحي إذ يحول دون رغائبه بما أُحْكِمَ من آيه وأخباره ، فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة في الحال ، كما كتاب الإحصاء يوم الفصل ، فكتاب يأمر وينهى وآخر يحصي ، ولا يظلم ربك أحدا .
فكان من الاستهزاء بالشرع ، ولو نَفْلًا ، كان منه ذريعة تُفْضِي إلى المروق من أصل الملة ، وذلك ، كما تقدم ، يدخل في حد الخلوق آنف الذكر ، فمنه الخلوق فلا يَبْقَى منه شيء ، فتجديده أن يدخل فيه إذ خرج ومرق ، ومنه الخلوق بما يكون من الفتور والكسل الذي يقعد به فلا ينهض ، وأول وهنه في الندب أن يَتْرُكَ ، فذلك السياج المحكم الذي يحوط الواجب ، لا جرم كَانَ قَوْلُ بَعْضِ من حَقَّقَ في أصول الدين المنزل ، أن جعل المندوب وإن لم يجب آحادا ، فهو يجب نوعا أو جنسا أعم ، فيجري ، كما تقدم ، مجرى ما لا يتم الواجب إلا به ، فَوَجَبَ ، من هذا الوجه ، وإن لغيره ، فيجري مجرى الذريعة التي تُفْتَحُ إلى الواجب ، فالمندوب ذريعة إلى صيانة الواجب إِنْ تَوْطِئَةً بَيْنَ يديه أو استكمالا لما قد فَاتَ منه أو سياجا يحوطه ، فهو واجب من هذا الوجه ، وإن إيجاب الجنس الأعم لا آحاده الأخص .

وقد يكون من الخلوق ما يجاوز ، فصاحبه قد وَقَعَ في الحمى فَتَرَكَ بَعْضَ الواجب ، وذلك ما يقدح في كمال الدين الواجب ، بل قد يَنْقُضُ الأصل إن كان تَرْكًا لما لا يصح إيمان إلا به ، فذلك ما استقرأ مَنْ بَوَّبَ في الأسماء والأحكام فاجتهد يحصي من النصوص والآثار ما يَنْقُضُ الأصل الجامع ، سواء أكان من الاعتقاد أم القول أم العمل ، وسواء أكان من الفعل أم الترك ، وهو محل الشاهد ، فَثَمَّ من الأعمال ما لا يجزئ إيمان إلا به ، فَتَرْكُهُ يَنْقُضُ الأصل وإن لم يكن ثم جحود ولا تكذيب ، فَالتَّرْكُ في نفسه ناقض ، كما يضرب المثل بِتَرْكِ الحكم في محكم الذكر ، فـ : (مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، على تفصيل في الإطلاق والتعيين ، وما يكون من اسم ناقض للأصل الجامع في مواضع ، وآخر ناقض للكمال الواجب في أخرى .

فَثَمَّ من الخلوق ما يجاوز الندب من القول والعمل ، فيكون من الواجب ما يُذَمُّ تَارِكُهُ الذَّمَّ الصريح ، فهو آثمٌ الإثم المبين ، سواء أكان من الجنس الناقض لأصل الدين الجامع فَيَكُونُ الفعل أو التَّرْكُ نَفْسُهُ من جنس النواقض ، أم كان من الجنس الناقض لكمال الدين الواجب .

وقد يكون من الخلوق ما يَزِيدُ فيكون الترك المطلق لأعمال الإيمان ، فلا يكون إلا الدعوى المجردة ، فلا بَيِّنَةَ تَشْهَدُ ، ولا دليلَ يُصَدِّقُ ، فكلُّ أولئكَ مما يدخل في عموم المعنى ، فكان سؤال الله ، جل وعلا ، في الشطر الثاني من الخبر أَنِ : "اسْأَلُوا اللهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ" ، فهو الحكم الذي مَهَّدَ له الخبر صدرَ الكلام "إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ الْخَلِقُ" ، تمهيدَ العلة بين يدي الحكم ، فلا يخلو السياق من تقدير محذوف وهو السؤال عن الفرض إذا خلق الإيمان في الجوف فما يصنع العبد ؟ ، فكان الجواب على حَدِّ العطفِ بالفاء في شطر الخبر الثاني : "فَاسْأَلُوا اللهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ" ، فذلك عطف الفور والتعقيب ولا يخلو ، كما تقدم ، من شبهة التعليل ، وإن لم يكن نَصًّا في الباب ، وثم من الأمر ما تَقَدَّمَ فيه البيان ، فلا يخلو من دلالة إيجاب بالنظر في أصل الوضع الأول ، وما يكون من استدراكٍ لِمَا فات من واجب الإيمان المجزئ ، ولا يخلو من دلالة النصح والإرشاد ، ولا يخلو من دلالة الندب فالدعاء في الجملة من الجنس المندوب ولا يخلو ، مع ذلك ، من إيجاب ، ولو من باب الذرائع آنفة الذكر ، فإذ صار ذريعة إلى واجب وهو تجديد الإيمان التجديدَ الكامل الذي يُخْرِجُ صاحبه من عهدة الذم والإثم ، فَإِذْ صَارَ ذريعةً إلى واجب فهو واجب وإن لِغَيْرِهِ ، فاجتمع في الأمر من الدلالات ما به يستأنس من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فقد دل العامل ، عامل الأمر في "اسْأَلُوا" ، دَلَّ على جملة مَعَانٍ في سياق واحد على وجه قد بَرِئَ من التَّعَارُضِ أو التَّنَاقُضِ إذ انفكت الجهات بل وتعاضدت فكلها يصب في قناة واحدة ، فكان من الأمر ما يجري مجرى الجواب عن السؤال آنف الذكر : وما يصنع العباد إذا خلق الإيمان في أجوافهم ؟! ، فكان الجواب : "اسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ" ، فَثَمَّ أَمْرٌ قَدْ عَمَّ بالنظر في دلالة التغليب إذ جاوزت بالضمير في "اسْأَلُوا" حَدَّ التذكير ، فَثَمَّ من العموم ما استغرق ، فذلك عموم التكليف المنزَّل ، وثم من الإطناب في المسئول مَا لا يخلو من إطناب في المبنى أن حُدَّ من "أن" وما دخلت عليه من العامل المضارع "يُجَدِّدَ" ، فهما في تأويل المصدر أَنِ : اسْأَلُوا اللهَ ، جل وعلا ، تجديدَ الإيمان في قلوبكم ، فأطنب في المبنى مئنة من آخر في المعنى ، وهو ، من وجه آخر ، ما اتصل ظرفه فَثَمَّ من المضارعة ما به استحضار الصورة في الحال ، وثم من "أن" ما يزيد في الدلالة استقبالا ، فذلك تكليف محكم قد اتصل ظرفه فلا يُنْسَخُ ، فاستغرق الحال والاستقبال ، ولا يخلو عامل التجديد كما الخلوق ، لا يخلو من استعارة المحسوس في الدلالة على نظيره المعقول ، فاستعير تجديد الآثار الدارسة في الحس لآخر في العقل ، وهو تجديد ما اندثر من معالم الإيمان في الجنان ، وهو ، كما تقدم مرارا ، محل النزاع المستحكم بَيْنَ من يجوز المجاز في اللسان والوحي ومن ينكره ، فالمثبت يستأنس بهذا الموضع ، فقد استعير المحسوس تَقْرِيبًا للمعقول ، ومن يُنْكِرُ المجاز فإنه يُنْكِرُ دعوى الأصل الأول ، فَلَا دليل أنه قد ثبت أولا للمحسوس ثم استعير ثَانِيًا للمعقول ، فَمَا يحول دون ضدها ؟ ، فكان من الدعاوى ما تَكَافَأَ فَتَسَاقَطَ ، وَإِنْ تَوَسَّطَ الناظر فهو يجرد جنسا أعم في الذهن ، كتجديد ما اندثر من الآثار ، فهو مطلق تندرج تحته آحاد فمنه المحسوس ومنه المعقول ، والسياق هو الذي يعين مراد المتكلم ، فتارة يرجح المحسوس وأخرى يرجح المعقول ، فالسياق ، كما تقدم ، حكم بين الخصوم إذا اختلفوا في الدلالة ، فهو يعضد دعوى دون أخرى ، وقد يعضد كِلَا الخصمين على ما تَقَدَّمَ من العموم في دلالة اللفظ المشترك .
ودلالة السياق ، من هذا الوجه ، تُقَاسِمُ دلالة المعجم المفردة ، تُقَاسِمُهَا حَدَّ الظاهر المركب ، فهو مجموع يَأْتَلِفُ من الدلالة المعجمية المطلقة ونظيرتها السياقية المقيدة ، وهو ما يدل عليه الكلام ، بادي الرأي ، فلا يُؤَوَّلُ لَفْظٌ بِمَعْزِلٍ عن سياقه ، وإنما السياق حَتْمٌ لازم لِدَرَكِ مُرَادِ المتكلم ، فهو ، من هذا الوجه ، جزء من الحقيقة فلا مجاز إذ تَأْتَلِفُ من الدلالة المعجمية ونظيرتها السياقية ، فهما يَقْتَرِنَانِ في الدلالة وبهما بَيَانُ المراد ، فَالتَّقْيِيدُ من أجناس البيان إذ يُبِينُ عَمَّا أُطْلِقَ من المادة المعجمية المطلقة ، فلا حاجة أَنْ يَتَكَلَّفَ الناظرُ علائق المجاز وَقَرَائِنَهُ إذ المعنى يظهر بادي الرأي .

فكان من السؤال أن يجدد الله ، جل وعلا ، ما اندثر من معالم الإيمان وما اندرس من آثاره في الجنان ، والتجديد ، لو تدبر الناظر ، عنوان آخر مجمل ، فمنه ما هو حق ومنه ما هو باطل ، ومنه ما هو حق يُرَادُ به باطل ، فإن التجديد قد صار ذريعة إلى القدح في أصول الديانة في تأصيلٍ يجافي عن الرسالة عنوانُه الرئيس : نَقْدُ الوحيِ ، فهو نَقْدُ الدين أو نقد تُرَاثِهِ في محاكاة يستعير صاحبها من آداب أخرى ما لا يواطئ آدابه ، فَقَدْ صَارَ ذلك في محيط الدرس الرسالي عند بعض من أحدث وَافْتَرَى ، فَقَدْ صار ذلك نَقْدَ الرسالة الخاتمة دون غيرها ! فقد استسلمت الأديان الأخرى ورفعت راية بها انسحبت من الحكم خاصة أو من الحياة عامة ، فَلَمْ تَرْفَعْهَا الرسالة الخاتمة لا جرم كان نقد الدين في بحث أولئك مما يَقْتَصِرُ على نقد الدين الخاتم فوجب القيد بالوصف "الخاتم" ، فمفهومه يعتبر ! ، فلا يتوجه أحدهم إلى دين آخر بِنَقْدٍ أو استدراك فهو مسالم قد أَقَرَّ لكلٍّ بما يهوى ويجد ، فصار عقدا ساذجا لا أثر له في نطق أو فعل ، فليس ذلك ، بداهة ، دِينَ الوحي المحكم الذي سلم من هذا النَّقْدِ المبطِل .

فكان من صنيع أولئك نَقْدُ تُرَاثِ الوحي الخاتم في محاكاة يستعير صاحبها من آداب أخرى ما لا يواطئ آدابه فذلك ، أيضا ، مما قد انْتُزِعَ من سياقه وَأُدْغِمَ في آخر ، فليس ثم قرينة توجب حملان مقالة على أخرى ، أو تُرَاثَ حضارةٍ على آخر ، فكان من المقال المحدث الذي سَوَّى بين الحق والباطل ، فَسَوَّى بَيْنَ الدين المبدل في أمة فهو ذريعة الطغيان والجور ومصادرة الرأي تحكما بلا دليل إلا محض التقليد ، فكانت تِلْكَ هي العلة التي نَقَّحَهَا المجدِّد في مقالة مبدَّلَةٍ وإن جاوز حَدَّ العدل ، فلم يمز بين دين مبدل قد خالف عن العقل الصريح وآخر قد حُفِظَ فهو رسالة السماء ، فالوحي جنس عام يهدي العقل أن يسلك جادة الصدق والعدل ، وإن دخله التبديل فذلك ما قد صَنَعَ البشر فالوحي منه يَبْرَأُ ، فما كان ذلك إلا اقتراح عقلٍ يَطْغَى ، فكان من الغلو والزيادة ما ضَاهَى به المجدِّد في هذا المثال المبدل ، ما ضاهى به طغيان الكهنة ، وَإِنْ عَلَى طَرَفٍ يُنَاقِضُ ، فكان طغيانه أن أنكر الشرعة والوحي ، بل أنكر التقدير والخلق ، فَجَحَدَ العلمَ الضروري الذي رُكِزَ في الفطرة ، علم التوحيد الذي يستوجب متلازمة في العقل : متلازمة الرب الخالق والإله الحاكم الذي يدبر الكون فَيُجْرِي السنن المحكم الذي به انتظام الأمر ، أمر العالم ، أرضه وسمائه ، فَمَنْ يُدَبِّرُ أَمْرَ الأجرام والأعيان فَوَحْدَهُ مَنْ يُدَبِّرُ الأديان فيأمر وينهى فوحده من له الحكم إذ وَحْدَهُ مَنْ لَهُ الخلق ، فتلك غاية الوحي العظمى ، غاية : (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) ، فذلك ما قد عَظُمَ شؤمُ الكهنةِ أَنْ صَدُّوا الناس عنه بما قَارَفُوا مِنْ جناية التبديل والتحريف فَخَرَجُوا بالوحي عن جادة الصدق والعدل وجعلوه ذريعةَ كذبٍ وافتراءٍ في الأخبار ، وظلم واستبداد في الأحكام ، فكان من تأويل المخالف أَنْ رَدَّ باطلا بآخر ، فأنكر الوحي كله ! ، وصيره الخصم الذي يُنَاجِزُ ، وَكَسَا ذلك لحاءَ التجديد ، وهو ، إن صح في بعضٍ فقد بطل في آخر ، فكان الدين المبدل باطلا يستوجب التجديد أن يُبِينَ الناظر عن بطلانه وَيَجْرَحَ من استحق الجرح من رجالاته الذين نَقَضُوا العهد وخانوا فَلَمْ ينصحوا لمن أحسن بهم الظن فاتبع ، وإن لم يَخْلُ مِنْ ذَمٍّ أَنْ قَلَّدَ أَمْرَ دينِه من ليس بأهلٍ ، فَلَمْ يَتَحَرَّ في دينه ما يَتَحَرَّى في دنياه ! ، فجعل الدين أخس بضاعة وَزَهِدَ أن يَتَّجِرَ فيها وهي مناط السعادة والنجاة لو تدبر ، وبها صلاح الحال والمآل ، فكان من تقليده ما يُذَمُّ ، وكان من غِشِّ المقلَّد أَنْ كَذَبَ فَلَمْ يَصْدُقْ ، وَظَلَمَ فَلَمْ يَعْدِلْ ، وجعل الدين لحاءً يكسو به فاحش قوله وحكمه ، فَرَدَّ المخالفُ باطلا بآخر ، فلم يعدل في الخصومة فهي مع الكهنة الذين بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا لا مع الوحي الذي جاء يَنْصَحُ ، فَهُوَ معدنُ الصدقِ والعدل الذي يصلح ، فَلَمْ يَخْلُ المجدِّد إذ قد غَلَا فَلَمْ يُنْصِفْ في الخصومة ، لم يخل ، أيضا ، من حظ نفس ، فَهُوَ يَنْتَصِرُ لنفسه ممن سَامَهُ خطةَ الخسفِ ، فَجَاوَزَ بخصومته الحدَّ ، ولم يعدل في مقال تجديد ناصح يذهب بما علق بالأصل من الكدر ، بل اجتهد أن يطمس عَلَيْهِ كُلِّهِ ، ما صَحَّ وَمَا بَطَلَ ! ، فذلك الغلو في حَدٍّ ، فلم يصب صاحبه جادة العدل ، فَمِنْ غُلُوٍّ إلى آخر ، والحق وسط بَيْنَ طَرَفَيْنِ ، فَلَئِنْ أصاب منه حظا أَنْ نَقَضَ طغيانَ الكهنة ، فلم يكن ثم عدل في الخصومة فجاوز بها حد العدل في الحكومة ، وكان العدوان على الوحي ، فَلَئِنْ نسي الأول منه حظا إذ بَدَّلَ فِيهِ وَتَأَوَّلَ ، فَقَدْ نسيه الآخر كله ! ، فأنكر الباطل الذي أحدثه الكهنة ، وجاوز فأنكر الحق الذي سلم من جنايتهم ، بل وأنكر الأصل ابتداء ، فكان من المخالفة عن صحائح الفطرة وصرائح الفكرة أن رَدَّ الأمر كله إلى الصدفة فهو فعل عابثٍ يَلْعَبُ ، قَدْ خلق الكون بلا غاية تحمد ، فكان فعله خبطَ عشواء ! ، وإن كان خلق الأرض والسماء هذا الخلقَ المحكم ، فكيف تكون نَتِيجَةٌ بلا مقدمة ، وكيف تكون صَنْعَةٌ بلا صانع ، فذلك ما يخالف عن بدائه العقل الناصح فَتَكَلَّفَ لَهَا مَنِ انْتَحَلَ اسم التجديد تَكَلَّفَ لَهَا من الحجج ما هو داحض إذ يخالف عن المقدمات والبدائه ، وكانت الخصومة مع إرث مبدل ، وكانت القطيعة مع كتاب محرف ، وإن كان الأصل ثَابِتًا ، فَلَوْ صح القصد لَكَانَ التجديد المحكم أن يحرر الحق مما علق به من بَاطِلٍ ، ولكن صاحبه لم يخل من حَظِّ نَفْسٍ نَسِيَ بِهِ حَظًّا مما أوتي من الوحي ، فذلك قياس يطرد وينعكس ، فكلما عَظُمَ حَظُّ النَّفْسِ عَظُمَ نسيانها من الوحي ، فكان من صنيعِ المحدث أَنْ جَاوَزَ حد العدل ، فاحتمل عنوانَ التجديد في الجملة ، وخالف عن حظ الكهنة إذ بدلوا الشرعة ، وذلك حق ، ولكنه لم يحسن يصب جادة العدل ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ المعطِّلِ في الإلهيات إذ رَامَ دحض فِرْيَةِ التمثيل والتشبيه ، فَنَفَاهَا ولكنه جاوز الحد فخالف عن جادة الإثبات ، وطرد النَّفْيَ في هذا الباب ، فَنَفَى الأصل وهو المعنى المطلق الذي يجرده الذهن دون خوض في ماهية أو كيف في الخارج ، فَثَمَّ من القدر المشترك ما يجب إثباته وإلا بطلت دلالة الكلام على المعاني والحقائق ، فَلَمْ يَنْفَعْ معجم ولا سياق ، فاللفظ قد جُرِّدَ مِنْ كُلِّ دلالةٍ إذ طَرَدَ النافي قَوْلَهُ والتزم لوازمه أن أنكر أصل الدلالة المشترك الذي لا يلزم من إثباته تشبيه ولا تمثيل فذلك إنما يلزم إن جاوز به المعنى المجرد في الذهن إلى الحقائق والماهيات في الخارج ، فلم يمز الحق الذي يجب إثباته وهو المعنى المجرد في الذهن من الباطل الذي يجب نفيه وهو التماثل أو التشابه في الماهيات والحقائق في الخارج ، فكذلك صَنَعَ مَنِ احْتَمَلَ عنوان التجديد مع ثأر وخصومة لمن كذب وظلم وأسند جنايته إلى الوحي ، فلو صدق المخالِف لأنكر الكذب والظلم ولم يجاوز هو ، أيضا ، الصدق والعدل ، فَمَحَّصَ الحقَّ وَمَازَهُ من الباطل وأثبت ما يجب إثباته ، وَنَفَى ما يجب نفيه ، ولكنه جاوز الحد فَرَدَّ الباطل بآخر يضاهيه بل ويزيد فَقَدْ نَفَى الأصل دفعةً ! ، وتكلف لذلك من التأويلات ما يخالف عن مقدمات الضرورة ، وإن كانت دِعَايَتُهُ الرَّئِيسَةُ : الانتصارَ للعقل مِنْ خُصُومِهِ ، فهو يقدح في دلالته بل ويخالف عَنْ علمه الضروري وإن انْتَحَلَ اسمه واقترف به جناية التعطيل كَمَا اقْتَرَفَهَا المحدثة في الإلهيات .
فالجادة واحدة وذرائعها متماثلة وإن اختلف أصحابها في القدر ، فالوصف واحد ، وهو رَدُّ الباطل بمثله وتكلف الحجج الداحضة لما يقترح الناظر هوى وذوقا ، والمخالفة عن جادة الوحي ، معدن الحق المحكم ، وانتحال الفهم والفقه ذريعةً ، مع تسمية ما يصنع من التعطيل بغير اسمه ، فهو التأويل تارة والتجديد أخرى ، فذلك عنوان احتمله المحدِث في الدين الخاتم فَقَاسَهَ على ما تقدم من دِينٍ لم يسلم من التبديل والتحريف ، فَكَانَ القياسُ مع الفارق ، وكان العدوان على الوحي النازل ، فهو باطل كوحي الكهنة الذي صدر عن أهوائهم وأذواقهم ، فما صنع إلا أن خالف عن أهواء الكهنة وأذواقهم إلى هواه وذوقه ! ، وكل يَزْعُمُ أنه على الجادة والطريقة ، فلكلٍّ مرجع يخالف عن ضده ، فَمَا يفصل بَيْنَهُمْ إلا حكم من خارجهم ؟! ، فذلك الوحي الذي أجمعوا على خصومته ، وإن اختصموا ! ، فـ : (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) ، فلم يجمعوا على شيء ما أجمعوا على مناجزة النبوات إذ تُبْطِلُ الأهواء والحظوظ جميعا سواء أكانت نسبتها إلى الوحي المنزل أم إلى الوضع المحدث ، وإن كانت جناية من انْتَسَبَ إلى الوحي أفحش من هذا الوجه إذ فَتَنَ الناس في الدين وَنَفَّرَ الخلق من الحق المبين ، فكان من القياس مع الفارق ما الْتَزَمَ صاحبه ما لا يَلْزَمُ ، فَسَوَّى بين الوحي المحفوظ ونظيره المبدل ، فكما ناجز خصومُ الكهنة دينَ الكتاب المبدل فحصل لهم من الدنيا حظ ، فكذا يجب على أَتْبَاعِ الوحي ! ، وإن محفوظا لم تَنَلْهُ يَدُ التبديل ، وإن كان ثم تحريف وتأويل لألفاظه فلا تخلو من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة الحق فلا يُنْسَخُ من الأرض ، وإن خفيت آثاره في مواضع فيكون من تجديد الدين الحق أن يُظْهِرَ المجدد من آيه وأحكامه ما يُبْطِلُ المحدثات في القول والعمل ، لا أن يُحْدِثَ كما قد أَحْدَثَ الأول فَيَرُدَّ الباطلَ بآخر مثله .
فكان القياس مع الفارق ، وإن كان ثَمَّ تَأْوِيلٌ في الدين الخاتم فَلَيْسَ يقدح في الأصول والنصوص فهي مما حفظ في الصدور والسطور ، وكان من قِيَامِ خلق اصطفاهم الخالق ، جل وعلا ، أن يحفظوا الدين مبنى ومعنى ، وليس إحداث المحدِث بحجةٍ على الحق ، وليس صنيع العلماء إذا ضلوا الجادةَ فَأَشْبَهُوا يهود إذ عَلِمُوا الحق فكتموه حظَّ نَفْسٍ في جاه ورياسة ، فدخلوا على السلطان الجائر مدحا وتكلفوا له من الشبهات ما قد صَيَّرَ ظلمه عدلا ، فليس صنيع أولئك من الوحي في شيء ، وإن عظم به الشؤم أن نَفَّرَ الخلق من الحق ، فَتِلْكَ حجةُ من احتمل عنوان التجديد فجعله ذريعة أن يطمس على الوحي وَيُبْطِلَ مَا قَدْ جاء به من الصدق والعدل ، وهو القياس مع الفارق ، فَلَيْسَ من التجديد في شيء ، فلا يدخل ، بداهة ، في الخبر المادح لمن يجدد الدين الخاتم على رَأْسِ كُلِّ قَرْنٍ حَادِثٍ : "إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا" ، فَثَمَّ مِنَ توكيد الخبر جمل قياسية تقدم بيانها مرارا ، فَثَمَّ تَوْكِيدٌ بالناسخ "إِنَّ" فذلك تَوْكِيدُ لفظٍ ، وثم اسمية الجملة فَهِيَ مَئِنَّةٌ مِنَ الديمومة وَالثُّبُوتِ ، وثم تكرار الإسناد مع إطنابٍ في الخبر ، فَقَدْ حُدَّ ، أيضا ، حَدَّ الجملة ، فاستكن في العامل المضارع "يَبْعَثُ" ، استكن فيه ضمير يرجع إلى اسم الله ، جل وعلا ، الاسم الأعظم ، فذلك تكرار الإسناد من وجه ، مع وظيفة أخرى في النحو ، وظيفة الرَّابِطِ بين المبتدإ والخبر ، فاستفاد السياق من هذا الضمير فائدة المعنى تكرارَ إسنادٍ فهو يضاهي الإطناب في المبنى مئنة من آخر يضاهيه في المعنى ، واستفاد أخرى في المبنى وهي ما تقدم من رَابِطٍ بين المبتدإ والخبر ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أول ما يستفيد السامع ، ففائدة النحو لفظا تسبق فائدة البيان معنى ، إذ البيان تال فلا بد أن يسلم السياق أولا فَيُوَاطِئَ قانون اللسان المطرد ثم يكون النظر بعده في لطائف المعاني توكيدا أو تشبيها ...... إلخ ، فذلك فرع عن الأصل الأول ، وهو سلامة المبنى من الخطإ واللحن ، فبعده يكون البحث في المعاني والبيان والبديع فتلك أجناس البلاغة في المعنى فلا تكون إلا وثم فصاحة أولى في المبنى ومنها أن يواطئ قانون النحو المشتهر ، وإن لم يكن الأفصح فلا يخرج عن حد الفصاحة ، فَلَهُ في اللسان وجه وإن قليلا فقد ثَبَتَ في نُطْقِ مَنْ يحتج بكلامه ، فالسماع أصل في اللسان ، وهو ، كما يقول أهل الشأن ، حجة على القياس ، فما قوي في القياس لا اعتبار به إن لم يؤيده السماع ، فيشبه ذلك ، من وجه ، ما يكون من تعارض بين القياس والنص أو الإجماع ، فذلك القادح الذي اصطلح أنه الاعتبار الفاسد ، فما خالف عن نص أو إجماع في الشرع فهو فاسد الاعتبار ، وكذا ما كان في اللسان ، فلا قياس فيه يصح إن خالف مأثورَ النطقِ ، فالسماع أصل في هذا الباب إذ مداره ، كما الشرع ، التوقيفُ ، وإن صح القياس في النحو فهو تَالٍ فلا يَنْقُضُ ما استقر من مأثور اللسان ، فهو الأصل الذي يُبْنَى عليه الفرع ، كما النحو فهو الأصل الذي تُبْنَى عليه البلاغة ، فلا نظر في بلاغةَ سياقٍ حتى يَسْلَمَ من قوادح اللحن والفساد فَيُوَاطِئَ ما اطرد من نحوِ اللسان ، كما تقدم من الإطناب في الخبر : "يَبْعَثُ" ، فثم أصل في النحو وهو ما تقدم من الربط بين المبتدإ والخبر ، وثم فرع أول وهو إطناب في المبنى إذ تكرر الإسناد ، مظهرا في اسم الله ، جل وعلا ، الاسم الأعظم ، ومستكنا في عامله "يَبْعَثُ" على حد الجواز ، فذلك إطناب في المبنى يدل على آخر يضاهيه في المعنى ، وكذا المضارع يحكي استقبالا ، فذلك بعث يَتَكَرَّرُ في كُلِّ قَرْنٍ تالٍ ، وهو ما يحمل على بعث التكوين وإن جاء يجدد التشريع ، فليس بعث نبوة تستأنف وإنما بعث علم يجدد ، فالنبوة قد ختمت بالرسالة الخاتمة ففيها كفاية تجزئ ، فلا تفتقر إلى أخرى تكمل ، وإن خفي منها جمل بما يكون من تأويل وتعطيل ، فذلك ما يبعثه العالم المجدِّد فلا يحدث دينا آخر ينسخ ، ولا يستأنف حكما آخر ينقض ، وإنما يُظْهِرُ ما خفي ويجدد ما دَرَسَ من الأخبار والأحكام ، فيدحض شبهات الخصوم ويصحح ما فسد من الفهوم ، فذلك تجديد الأمر فلا يكون ، بداهة ، بِنَقْضِ الأصل ، فكان من البعث ما يجري مجرى الوصف ، وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة ، وهو ما يدخل في أصل جامع في الإلهيات ، فذلك مما قَدُمَ نوعه وحدثت منه الآحاد فمناطها الحكمة والقدرة فيحدث الله ، جل وعلا ، ما شاء منها ، فهي معلقة بالمشيئة ، وذلك الحدوث الذي يَتَجَدَّدُ وإن كانت مما قُدِّرَ أولا من العلوم ، وَسُطِرَ ثَانِيًا في لوح المقدور ، فنوعها قديم وحدوثها في الخارج يجري مجرى التأويل ، تأويل المعدوم في الغيب أن يكون من الوجود ما يواطئ ويصدق في الشهادة .
فكان من مادة البعث ما احتمل بالنظر في الجنس المطلق الذي يجرده الذهن ، فهو على أنحاء مِنْهَا الكوني وَمِنْهَا الشرعي ، ومنها بعث الْمَلَكِ فَتَارَةً يُبْعَثُ بِكَلِمِ التكوين النافذ وبه حياة الأبدان بما يكون من تَنَزُّلِ الغيث وسائر أجناس الرزق ، وهو ما يُنَزَّلُ بِقَدَرٍ ، فآحاده تَتْرَى وتلك حكمة الرب الأعلى ، عز وجل ، ألا يكون بغي وعدوان ، وإن وقع في أحيان فذلك شح البشر إن في الرخاء أو في الشدة ، بل شحهم في الشدة أعظم إن لم يكن ثم من الوحي ما يُرْشِدُ فهو أعظم ما به إبطال المادة الفاسدة التي جُبِلَتْ عَلَيْهَا النفوس مِنْ جملة ما عليه قد جُبِلَتْ ، فمنه الحق الذي رُكِزَتْ مادته فطرةَ تَوْحِيدٍ يَتَنَزَّلُ من أعلى فمحله من الإنسان المحل الأعلى ، محل الروح اللطيف ، وهو الناصح الراشد ، ومن الجبلة ما ابْتُلِيَ به الإنسان أن يدافع كسائر حظوظ الجسد الكثيف فَنَوَازِعُهُ أرضية ، ومنها ما احتمل في رَكَائِزِ الطبع من مادة الشح والأثرة ، فلا يحسم مادتها إلا مادة الدين والشرعة بما جاوزت به حظوظ الخلق وهي الحادثة من الأرض فَلَا يَقْضِي فيها قَضَاءَ العدلِ إلا بعث من السماء يَتَنَزَّلُ ، فذلك باعث الوحي ، فَتَارَةً يُبْعَثُ الْمَلَكُ بِمَا تَقَدَّمَ من كلم التكوين النافذ ، وأخرى يُلْقِي الوحي الشرعي على قلب الرسول الأرضي ، فيكون بعثه بالكلم الشرعي الحاكم ، فهو الذي يَقْضِي في خصومات الأديان والأبدان بما تحمل من مادة العدل الناصحة فلا يمازجها ما يمازج الحكومات الأرضية المحدَثة من نوازع الشح وحظوظ النفس ، فهو مادة الصدق في الأخبار والعدل في الأحكام ، فَبُعِثَ بِهَا الْمَلَكُ بَعْثَ الرسالةِ ، فذلك بعث أول يندرج في جنس البعث المطلق الذي يجرده الذهن ، فمنه ، كما تقدم ، بعث الْمَلَكِ ، وهو البعث الأول ، ومنه بعث الرسل والنبيين ، عليهم السلام ، فهم المحل الثاني الذي يَتَحَمَّلُ الوحي عن البعث الملكي ، فَيُبَلِّغُ منه وَيُبَيِّنُ ، كما قد بُلِّغَ عن الرسول الأول ، رسول الملك الكريم ، فذلك الروح الأمين ، الذي يبث في روع النبوة من روح الوحي ما به حياة المعنى والحس ، فهو مادة عُلْيَا بِهَا صلاح الدين والدنيا ، صلاح الأديان اعتقادا وصلاح الأبدان أحكاما بما استغرق من حد الإيمان الجامع الذي يعمر الجنان بالتصديق والإقرار ، ويعمر اللسان بشاهد الصدق من نطق الحق ، ويعمر الأركان بشاهد آخر يصدق بما يكون من امتثال التكليف أمرا ونهيا ، فَثَمَّ الأمين الأول الذي بَلَّغَ وَبَيَّنَ فَلَمْ يَزِدْ ولم يُنْقِصْ ، فَنَزَلَ من السماء بأمر ربه ذي الجلال والإكرام ، وَثَمَّ الأمين الثاني في الأرض ، وهو الرسول الذي يخاطب قومه بما تحمل من آي الوحي وخبره ، فذلك بَعْثُ الرُّسُلِ بَعْثَ الشرع الملزِم ، وثم ثالث في القسمة ، قسمة البعث آنفة الذكر ، وهو بعث العلماء والمجددين ، وعنوان التجديد ، لو تدبر الناظر ، يستغرق الرسل ، من وجه ، فإنهم قد بُعِثُوا لتجديد معالم التوحيد ، ومنهم من قد جَاءَ بِشَرْعٍ يَسْتَأْنِفُ ، فهو الرسول ، ومنهم من جاء يُحْيِي ما اندثر من الرسالات السابقة فلم يأت بشرع يستأنف وإنما جَاءَ لِشَرْعِ مَنْ تَقَدَّمَ يُجَدِّدُ فهو النبي على قول بَعْضِ من حَقَّقَ الباب فَمَازَ الرسالة من النبوة ، فالرسالة أَعَمُّ في معناها أَخَصُّ في آحادها ، فَثَمَّ عموم وخصوص مطلق من هذا الوجه ، إذ كل رسول فهو نبي ولا عكس ، فدائرة النبوة بالنظر في آحادها أعم ، ودائرة الرسالة من هذا الوجه أخص ، وإن كانت دائرتها في المعنى أعم ، كما قال مَنْ قَالَ مِنْ أهل الشأن في بَيَانِ الإيمان والإسلام وما بَيْنَهُمَا من اتفاق وافتراق ، فالإيمان أعم في معناه وإن كان أخص في آحاده ، فيضاهي من هذا الوجه ، الرسالة ، وهي ، لو تدبر الناظر ، من آحاد التجديد وإن كان أمرها بداهة ، أمر التَّوْقِيفِ فلا اجتهاد فيها بكسب أو رياضة ، وإنما مدارها على الوحي المنزَلِ الذي جاء بدليل الشرع الملزِم ، فالتجديد ، من هذا الوجه ، جنس آخر يستغرق ، فثم تجديد التوحيد وثم تجديد التشريع ، فَيَصْدُقُ في الرسالة ، من هذا الوجه ، عنوان التجديد ، وإن كان أشرف في الوصف ، فمبناه ، كما تقدم ، التوقيف المحض ، خلاف ما يكون من تجديد غيرهم فهو وإن لم يخل من اصطفاء إلا أنه لا يَعْدِلُ ، بداهة ، اصطفاء النبوة المحض فلا رِيَاضَةَ وَلَا كسب ، فَثَمَّ فِي تجديد غَيْرِهَا كَسْبٌ واجتهادٌ في تحصيل الأسباب ، سواء أكان التجديد التام الذي يحوط به المجدِّد حَقَائِقَ الدين ، توحيدا أو تشريعا ، رواية أو دراية ، ديانة أو سياسة ، فيكون له من الولاية العامة ما يجاوز التأصيل إلى التَّنْفِيذِ بما استجمع من أسباب السياسة والحرب ، والحسبة والحكم ، وقوة السلطان فَلَهَا في النفوس من الهيبة ما يجاوز في أحيان هَيْبَةَ الشرعةِ ! ، فَثَمَّ من يَزَعُهُ سيف السلطان ، ولا يَزَعُهُ داعي الإيمان ، والنفوس على أنحاء ، ولكلٍّ من الوازع ما يلائم ، والحكمة أن يوضع كلٌّ في الموضع الذي يُوَاطِئُ ، فلا يكون ثم جمال في مواضع الجلال ، ولا يكون عكسه ، فذلك السفه الذي يَتَنَزَّهُ عنه كل حكيم سواء أكان الرب ، جل وعلا ، فهو أحكم الحاكمين ، أم ما سواه من أجناس الحكمة ، حكمة النبوة الصادقة أو الولاية الراشدة أو الفتوى الناصحة .
فَثَمَّ ، وهو محل شاهد تَقَدَّمَ ، ثم تجديد تام قد استغرق الأمر كله ، كَمَا المثل يُضْرَبُ بابن عبد العزيز المجدِّد ، رحمه الله ، فكان له من القدم الراسخة في الديانة والولاية ، في العلم والسياسة ما قد عَمَّ نَفْعُهُ فَجَمَعَ القرآن والسلطان ، وتلك أكمل الأحوال ، ودونها ما يكون من تجديد في باب دون آخر ، فَثَمَّ من جمع أسباب الدين من العلم والفتيا والتصنيف ..... إلخ ، وليس له من الولاية شيء لا ولاية السياسة والحرب ولا القضاء فهو يَنْصَحُ بما استجمع من أسباب العلم والفقه ، فَيُعَلِّمُ الخلقَ الحقَّ وَيُفْتِيهِم بما يعلم منه ، إن حق الاعتقاد توحيدا أو حق القول والعمل تشريعا ، فتلك مادة الإيمان النافعة : اعتقادا وقولا وعملا ، فلا يُبِينُ عَنْهَا إلا من كان من أهلها ، فأولئك من تَحَمَّلَ إِرْثَ النبوة خَبَرًا وحكما فهو يجدد منه ما استطاع ، فيصدع بما قد أُمِرَ من البلاغ والبيان فهو النائب عن صاحب الشرع في بَيَانِ الحق ، فيدخل ، من هذا الوجه ، في عموم الأمر أَنِ : (اصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) ، ولو عموم المعنى فلا يخاطب بداهة خطاب الرسالة الأول ، فهو نائب عن صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بيان الحق خبرا وحكما ، كما ذو الولاية في السياسة نَائِبٌ عنه في حفظ الدين وسياسة الدنيا به ، فلا يكلف العالم والفقيه والمفتي والمجتهد ، لا يكلف كل أولئك ما لا يطيقون من الإنفاذ ، إنفاذ الحكومة في الأعيان ، فلا يكون ذلك إلا لِذِي سلطان ممكَّنٍ له من سيف الشرع ما به يحكم ، فَثَمَّ ، من هذا الوجه ، من جَمَعَ أسبابَ الحكمِ فكان له من سلطان الأمر والنهي ما قَدْ عَمَّ الجمع كله ، فَلَهُ مِنْ قَدَمِ التَّجْدِيدِ ما اقتصر على السياسة والحرب ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما به النَّفْعُ يَعُمُّ ، وإن لم يكن صاحبه من أهل العلم والفتيا ، فلم يجمع المنصبين كما قد جمعهما ابن عبد العزيز فتلك أكمل أحوال التجديد ، ومنه تجديد السياسة والحرب آنف الذكر الذي اقتصر على باب الولاية ، فالسلطان يَزَعُ ما لا يَزَعُ القرآن في أحيان ، بل ذلك الغالب على الخلق إذ تَعَلَّقَتْ نفوسهم بأسباب الحس فَيَخْشَونَ من عقاب السلطان ما لا يَخْشَونَ من عقاب الجبار ، جل وعلا ، لا كفرانا به وتكذيبا ، وإنما ذهولا عنه بما يكون من الاشتغال بأسباب الدنيا ، وَبَعْضٌ ، لو تدبر الناظر ، قد عَظُمَ جرمه فقد جحد عقاب الجبار ، جل وعلا ، سواء أَكَنَّى فخشي العقوبة أم صرح فلا يخشى عقاب سلطان ، فقد أَمِنَ فأساء الأدب كما الحال في أعصار الجور والاستبداد التي عظمت فيها الجناية أن بُدِّلَ الشرع وَعُطِّلَ ، وسكت السلطان فلم ينطق بل هو ، في أحيان تكثر ! ، يحرض ويؤلب أهل الجحود والمروق لحظ في نفسه أن يسود فلا تكون سيادته إلا إذا قُمِعَ الحق وَدَرَسَ إذ لا يحكم إلا بالجور والطغيان ، فلا تسلم هذه الحكومة الناقصة إلا وأهل الباطل في ظهور فلا يُكَنُّونَ عما احتملت دواخلهم من الْغِلِّ لِلْحَقِّ وأهله ، فأهل الحق معهم فِي خَفَاءٍ وَتَسَتُّرٍ مع ما ينالهم من أذى الفاجر الممكَّن ، فحالهم القتل أو الأسر أو الطرد والفرار أو السكوت على حد الاضطرار ، كما قد عمت به البلوى في أعصار الانحطاط والفوضى فلا أعظم منها جنسا إلا فوضى الأديان أن يَنْطِقَ كُلُّ فَاجِرٍ بما احتمل من الغل للنبوة وأتباعها فهي أعظم خصم يُنَاجِزُ إذ وحدها من يَقْمَعُ حظوظه وأهوائه .
فَتَجْدِيدُ الرسالة وهو الأعلى ، وبعده تجديد من استجمع الدين والحكم كما ابن عبد العزيز آنف الذكر ، ودونه من اقتصر على وجه دون آخر ، وإن كان تجديد الدين أشرف في مادته ، وتجديد السياسة أَنْفَعَ في عموم حكومته ، بل ثم من تجديده دون ذلك ، فَهُوَ يَقْتَصِرُ على بابٍ في الدين دون آخر ، فيكون مِنْ بَعْثِهِ أن يجدد في توحيد أو تشريع ، في رواية أو دراية ، فيكون من التجديد ما يَتَجَزَّأُ ، كما الاجتهاد يَتَجَزَّأُ في قول مُعْتَبَرٍ في الأصول ، فيكون فُلَانٌ مِنْ أهل الفتيا مُجْتَهِدًا في باب دون آخر ، فهو مجتهد في العبادات دون المعاملات ، بل الدائرة قد تضيق فيكون مجتهدا في باب من العبادات دون آخر ، كما يذكر مَنْ يَذْكُرُ من الأصوليين في مبحث الترجيح بين روايات المذهب الواحد ، فَيُقَدَّمُ قول فلانٍ من أصحابه في باب الحج ، وإن لم يكن الأفقه في غيره ، ولم يكن المقدَّم في المذهب ، ولكنه في هذا الباب قد استجمع ما لم يستجمع غيره ، وإن كان أرجح منه في غيره بل وأرجح منه في الجملة ، فالمجتهد في باب دون آخر ، وإن رجح في بابه فهو الفاضل ، فلا يَلْزَمُ من ذلك أَنَّهُ الفاضل مطلقا بل قد يكون مفضولا في غيره ، وإنما عَرَضَ له في هذا الباب ما صَيَّرَهُ فاضلا ، فَقَدْ يَعْرِضُ للمفضول من القرائن ما يجعله فاضلا ، كما قال مَنْ قال مِنَ المحققين في الترجيح بين مراتب الصحيح في الرواية ، فبعضه أصح من بعض ، فذلك تفضيل الجملة أو المجموع دون التفصيل أو الجميع ، فقد يكون لِلْمُصَنَّفِ المرجوحِ في الرتبة ، قد يكون له رجحان في رواية دون غيرها بما احتف بها من القرائن المرجِّحَةِ ، فلم يكن الترجيح تحكما ، وإنما قام من الدليل ما استوجب العدول عن الأصل ، فيجري ذلك مجرى الضرورة التي تقدر بالقدر فلا تجاوزه في الحد ، فَصَارَ المفضول في هذا الموضع دون غيره صار فَاضِلًا إِذْ كَانَ ثَمَّ دليل تفضيل يُرَجِّحُ ، وإلا فالأصل أنه مرجوح يتأخر ، فلا يكون التقديم ولا التأخير تحكما باعثُه الهوى أو الذوق ، وإنما يكون تَحَرِّيًا باعثُه التجرد والتحقق .
فكذا الشأن في الترجيح بين أي طَرَفَيْنِ ، كما الترجيح آنف الذكر في أقوال المذاهب ، ورجالات الفتيا ، فَثَمَّ من هو محقق في باب دون غيره ، فَحَدُّهُ في بابه حَدُّ المجتهد المطلق بل والمجدد ، وهو في غيره عامي مُقَلِّدٌ ، ولو تدبر الناظر هذا الأصل لوجده يجاوز الدين فهو يعم كل شأن ، وانظر في أرباب الصناعات والتجريب ، فَبَعْضٌ في بابه عالم محقق ، فهو الطبيب المبرَّز ، ولكنه في دونه عَامِيٌّ يُقَلِّدُ ، فليس ، بداهة ، أهل ذكر يستفتى في فلاحة أو تجارة ، وإنما تعظم البلوى أَنْ يَتَصَدَّرَ من ليس بأهل فيصير المجدِّدَ في كل شأن ! ، فهو الخبير في الديانة ، وهو الحكيم في السياسة ..... إلخ ، وليس له ، لو تدبر الناظر ، من الوصف إلا ما قد أُثِرَ عن صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَنْ : "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ" ، فوصف المخرِّبِ المبدِّدِ به أليق ، فلا يقام به بُنْيَانٌ محكم لا في دين ولا دنيا ، لا في سلم ولا حرب ، إذ قد فَسَدَ قَصْدُهُ وسفه رَأْيُهُ فلا يصلح الله ، جل وعلا ، عمله .





فالتجديد ، من هذا الوجه ، قد تفاوت على أنحاء ، فمنه ، كما تقدم ، التام ، وهو النادر ، ومنه ما اقتصر على باب دون آخر ، وهو الغالب ، فذلك بعث الرب الخالق ، جل وعلا ، بعثُ الرحمة في الدين والدنيا ، فالبعث ، من هذا الوجه ، جنس آخر يجرده الذهن ، فَثَمَّ بعث الرحمة ، فذلك بعث الجمال فَضْلًا ، ومنه بعث المجدد آنف الذكر ، فذلك بعث تكوين ، من وجه ، وإن كان بِتَجْدِيدِ التشريع ، فاصطفى ، جل وعلا ، من الأعيان من يَنْهَضُ بتجديد الأديان ، ومن البعث ، لو تدبر الناظر ، آخر بالعذاب ، فهو بعث الجلال عدلا ، فكان من بعث الشياطين ما هو عذاب ناجز ، كما في قول الرب الخالق جل وعلا : (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) .

فكان من الْبَعْثِ ما تفاوت فهو على أنحاء تختلف ، ولكلٍّ من القرينة شاهد ، فمادة البعث ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وصف من أوصاف الفعل ، فالمضارعة في "يَبْعَثُ" لا تخلو من حدوث وتجدد ، وإن كان الجنس قديما قِدَمَ الذات القدسية ، فذلك بعث يحدث الله ، جل وعلا ، من آحاده ، في كل جيل ما به يجدد أمر الدين .

وذلك بعث قد اختصت به الأمة ، فتلك دلالة اللام في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لِهَذِهِ الْأُمَّةِ" ، فهي لام اختصاص لا لسابقةِ فضلٍ وإنما تلك المنة العظمى من الرب الأعلى ، عَزَّ وَجَلَّ ، أَنِ اصْطَفَى هذه الأمة بالنبوة الخاتمة ، واصطفاها بمن يجدد آثار هذه النبوة إذا دَرَسَتْ ، فَثَمَّ بَعْثُ التشريع بمادة الرسالة ، خبرا وحكما ، وثم بعث التكوين لمن يجدد آثارها ، وهو ما أطنب في ذكره وذلك آكد في تقرير المنة ، فكان من التقدمة بالمبدل منه ، اسم الإشارة في "هَذِهِ" ، وهو مَئِنَّةٌ من الْقُرْبِ وذلك آكد في تقرير المعنى إذ يَقْرُبُ من ذهن المخاطب فضلا عن إجمال في اسم الإشارة لا يخلو من تَشْوِيقٍ إذ يَتَشَوَّفُ الذهن إلى البدل فهو مناط الفائدة وهو المراد بالحكم ابتداء وإنما جاء المبدل منه يُوَطِّئُ له ويمهد ، فمناط الحكم وهو الاختصاص بِفَضِيلَةِ التجديد ، مناط الحكم هو الأمة الخاتمة ، فلا تخلو "أل" في "الأمة" من دلالة العهد الخاص ، وهو ما ينصرف ، بادي الرأي ، إلى أمة الإجابة ، فهي من يَنْتَفِعُ بالرسالة فِعْلًا ، وإن كان ثم مناط أعم ، وهو أمة الدعوة فهي من يَنْتَفِعُ بالرسالة قُوَّةً فهي الرحمة العامة التي استغرقت ، استغراق الفعل لمن آمن ، واستغراق القوة لمن كفر ، فهو محل تكليف بالرحمة وإن أبى وخالف عن الجادة ، فَجِبِلَّتُهُ ابْتِدَاءً تَقْبَلُ آثارَها إذ فُطِرَتْ على قوة التصديق والإيمان ، وإنما عَرَضَ لها من الصَّوَارِفِ ما حاد بها عن الجادة ، فاتبعت السبل المحدثة وأبت الانقياد للشرعة المنزلة ، وَرَدَّتْ مِنَّةَ التجديد إن بالرسالة أو بأتباعها من المجدِّدين الذين يحملون لواء الحق ، جدالا في السلم وجلادا في الحرب ، فكان من دلالة "أل" ما جاوز على هذا التأويل فاستغرق أمة الدعوة كما الإجابة ، فتلك الرحمة العامة ، إن رحمة الوحي ، أو رحمة من يُجَدِّدُهُ ، فذلك العموم الذي استغرق ، وتلك دلالة "مَنْ" ، الموصول الاسمي المشترك ، وهو نص في العموم ، كما تقرر في الأصول ، وهز مما اخْتُصَّ به ذو العقل بالنظر في أصل الوضع ، فجرى في هذا السياق على الأصل ، فذلك ما استصحب وشهد له السياق فلا يجدد أمر الدين ، بداهة ، إلا العاقل المحقِّق الذي يُصَنِّفُ وَيُدَوِّنُ ، ويحكم وَيُنَفِّذُ ، وإن كان ثم وجه يَلْطُفُ أَنْ تكون "مَنْ" خاصا يُرَادُ به مناط أعم يستغرق ما عقل وما لم يعقل ، فإن من النَّوَازِلِ ما يجدد أمر الدين أَنْ يُسَارِعَ الخلق بالتوبة والأوبة ، كما الحال في الوباء والجائحة فلا تخلو من رحمة ، وإن كان ظاهرها الشدة ، فهي رحمة لمن آمن أن يحتسبَ ما ناله ، وهي رحمة لمن أَبَى فهو يَرْجِعُ ويرشد ، وهي رحمة بالعباد أن يَذْهَبَ من حكم الجور وطواغيت الأمر والنهي مَنْ تهلكهم الجائحة أو تقوض عرشهم أو تُضْعِفُ أمرهم أو تَفْضَحَ جُبْنَهُمْ وَهَلَعَهُمْ ، فتذهب حشمتهم في النفوس إذ هانوا على الرب المعبود ، جل وعلا ، فهي ، من هذا الوجه ، سبب في تجديد الأمر وبعث ما اندثر من أحكام الوحي ، فَثَمَّ عموم قد استغرق إذ الموصول "مَنْ" نَصٌّ في العموم ، وإن كان مفردا في لفظه ، فهو مئنة من الجمع الذي يستغرق وذلك ما يشهد لما تقدم من التجديد بجمع لا بِوَاحِدٍ ، كما قرر بعض المحققين ، فذلك الغالب في كل جيل فلا ينهض بالأمر واحد إلا ما ندر كما تقدم من حال الأشج العادل ، رحمه الله ، وذلك عموم قد يزيد على ما تقدم من محن الكون فلا تخلو من منح الخير إن صبر الممتحن واحتسب ، وراجع الجادة وجانب السبل ، وثم من الصلة ما به بيان المجمل ، مجمل الصلة فلا تَنْفَكُّ تَفْتَقِرُ إلى المبيِّن ، وهو المعنى الذي اشتقت منه الصلة "يُجَدِّدُ" ، فذلك معنى التجديد ، ولا يخلو في مَبْنَاهُ من تضعيف ، تصعيف الدال وهي عين الفعل بالنظر في ميزان الصرف "فَعَّلَ" فيقابله "جَدَّدَ" ، فذلك التَّفْعِيلُ ، فَثَمَّ زيادة في المبنى تدل على أخرى في المعنى ، فقد تَعَدَّى الفعل بالتضعيف ، فَزِيَادَةُ العمل فَرْعُ على زيادة اللفظ ، وثم من الأمر ما قد عم ، أيضا ، فتلك دلالة الإضافة إلى المعرَّف في "أَمْرَ دِينِهَا" ، فاستغرق سائر الأوامر والأمور ، إن علما أو عملا ، إن شرعا أو حكما ، إن سِلْمًا أو حربا ، فذلك معنى الدين الجامع الذي استغرق كل قول وعمل يحبه الله ، جل وعلا ، وَيَرْضَاهُ ، وتلك غاية الخلق والوحي ، فغاية الخلق أن يُعْبَدَ الرَّبُّ ، جل وعلا ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) وغاية الوحي أن يعبد ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ، فذلك محل إجماع بين فعل الخلق تكوينا وفعل الإرسال تشريعا ، على وجه به يستأنس من يطرد القول بالتلازم بين شطري التوحيد المجزئ في حصول حقيقة من الدين تَنْفَعُ فلا تحصل بإثبات التكوين دون امتثال التشريع ، بل التوحيد خبر تكوين وطلب تشريع ، وبهما جميعا تحصل الغاية من إرسال الرسالات ، فَثَمَّ تصديق بالخبر الكوني وامتثال للأمر الشرعي على وجه قد استغرق كل محال التكليف وأحواله ، ما بطن منها وما ظهر ، ما خص منها وما عم .

فكان من تجديد الإيمان ، ما هو عام ، فهو تجديد الأمر كله ، كما المجدد يصنع ، وثم منه ما هو خاص بما يكون من الدعاء آنف الذكر : "فَاسْأَلُوا اللهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ" ، فذلك سُؤَالٌ لَا يَخْلُو مِنَ إجمال ، فكيف يكون التجديد المسئول ؟ ، فكان من البيان لما أجمل من المنطوق ، كان من البيان له ما حُدَّ حَدَّ الأمرِ في سياق آخر ، فـ : "إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ .... فَاتْلُوا الْقُرْآنَ يُجَدِّدُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ" ، فَثَمَّ أمر آخر يجري مجرى الإيجاب والنصح أن : "اتْلُوا" ، فذلك مناط عموم آخر ، فثم تلاوة قَدْ أُطْلِقَ عاملها فلا تَقْتَصِرُ على تلاوة الألفاظ نُطْقًا فَثَمَّ تلاوة المعاني تصديقا وامتثالا ، فتلك التلاوة التامة التي مُدِحَ أصحابها في آي البقرة أنهم : (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) ، فكان من القيد بالنائب عن المصدر "حَقَّ تِلَاوَتِهِ" فهو يُبَيِّنُ ما أُجْمِلَ من العامل فلا تجزئ التلاوة المجردة لفظا بل مناط الإيمان أن يُتْلَى حق التلاوة فتلك تلاوة المباني والمعاني ، الألفاظ والأحكام ، التصديق والامتثال ، فذلك مناط التجديد في الخبر : "فَاتْلُوا الْقُرْآنَ يُجَدِّدُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ" ، والرواية بالضم في "يُجَدِّدُ" ، تجري مجرى القيد بالوصف ، فتلك الحال في النحو ، فَحَدُّ الجملةِ : "يُجَدِّدُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ" ، حَدُّ الحالِ المنصوبة في اللفظ ، وحد الوصف في المعنى ، فاقرءوا القرآن حال تجديده للإيمان ، فلا يخلو من مفهوم أن لا تَقْرَأُوهُ إذا لم يكن ذلك فكان مادة خلاف وجدال ، فكان من الأمر الذي قُيِّدَ في موضع آخر ، فـ : "اقْرَءُوا القُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ" ، فإذا اختلفتم لا أنه مئنة خلاف أو مظنته ، وإنما الخلاف ما يكون من جدال المتجادلين إذ لم يُحَرِّرُوا القصد والنية ولم يسلكوا جادة الحق المحكمة في الرواية والدراية ، وإنما سلكوا السبل المتشابهة من تَضْعِيفِ ما صَحَّ أو تصحيح ما ضَعُفَ ، وتأويل المحكم التأويلَ المتشابه ، ونصرة ما تشابه من الأهواء والأذواق فصارت هي المحكم الذي يُرَدُّ إليه ما تشابه من لفظ الوحي ! ، فإذا كان الخلاف فقوموا ولا تَتْلُوهُ ، فَقَدْ فَسَدَ القصد وفسدت الطريقة ، فَثَمَّ من مفهوم الحال ما يعتبر من هذا الوجه ، فالمنطوق : اقروءا القرآن حال يكون سببا في تجديد إيمانكم ولا تقرأوه إذا لم يكن كذلك ، بل قوموا ولا تجادلوا الجدال المذموم الذي يوغر الصدور ويوقع العداوة والبغضاء بما يكون من المخالفة عن وحي السماء ، فيكون من التأويل والتعطيل ما يخرج بالمحكمات إلى التشابه ، فكلٌّ يقترح ما يواطئ الهوى والذوق وليس ثم حكم من خارج فلم يعد الكتاب هو الإمام الشاهد ، فتلك حال القراءة النافعة أن يكون هو المتبوع لا التابع ، فإذا صيره القارئ تابعا لما يهوى ويجد فذلك مناط الخلاف والجدل فلا تقرأوه إن كان ذلك هو الباعث ، ولا تجالسوا من يَقْرَأُه على تلك الحال الناقصة ، فيكون من شؤم تأويله إذ الكتاب حَمَّالُ أوجهٍ ، فلا يسلم القارئ إلا إن سلم قَصْدُهُ ، وَسَلَكَ جادة سَلَفِهِ في الرواية والدراية ، فحمله على ظاهره المعتبر ولم يتأوله التأويل البعيد أو الباطن ، وجعله هو الإمام الشاهد والحكم العادل بين الأهواء والأذواق إذا اختلفت ، فَتَأَوَّلَ الأمر أَنْ : (إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، فذلك التأويل الصحيح الذي يحمد ، فعاقبته الخير أن يُرَدَّ ما تشابه من الخلاف إلى ما أحكم من الكتاب .
فذلك وجه الرفع في "يُجَدِّدُ" نصبا للجملة "يُجَدِّدُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ" على الحالية كما قال بَعْضٌ في تأويلِ قوله تعالى : (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) ، على قول من جعل الواو في قوله تعالى : (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) واو عطف لا استئناف ، فيكون تأويل الكلام : وما يعلم تأويله إلا الله وكذلك من أوتي العلم فهو يعلمه حالَ يكونُ قوله : (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) ، خلاف من قال إن المتشابه مما استأثر الله ، جل وعلا ، بعلمه ، فتكون الواو واوَ الاستئناف ، ولكلٍّ وجه في التخريج قد اشتهر ، فالمتشابه بالنظر في معناه مما يعلمه الراسخون ، وبالنظر في ماهيته في الخارج بما يكون من تأويل الحقائق التي أخبر بها الوحي فهي مما جاوز مدارك العقل من نصوص الغيب ، لا أنه يجحد معانيها وإنما يحار في ماهياتها في الخارج ، فَبِهَذَا النظر ، وهو دَرَكُ العقل لِمَاهِيَّةِ الغيبيات في الخارج ، فذلك مما لا يعلمه الراسخون إذ هو مِمَّا انفرد به الله ، جل وعلا ، فيكون الكلام على حد الاستئناف في قوله تعالى : (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .

وقد يحمل الرفع في الجملة : "يُجَدِّدُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ" ، قد يحمل على الجواب عن سؤال قد دَلَّ عليه السياق على حد الاقتضاء ، فما علة الأمر بالتلاوة ؟ ، فكان الجواب على تقدير : لأنه يُجَدِّدُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ .

والقياس أن تجزم في جواب الطلب : "اتْلُوا الْقُرْآنَ" على تقدير شرط محذوف ، فاتلوا القرآن : إن تَتْلُوهُ يجددِ الإيمان في قلوبكم ، فَثَمَّ من الكسر ما قد عَرَضَ إذ الْتَقَى الساكنان ، فكان من إيجاز الحذف على هذا التأويل ما يَلْطُفُ إذ به التَّوَسُّلُ إلى مناط الفائدة دون واسطة في اللفظ ، ولا يخلو من دلالة التعليل ، إذ يدور الجواب وهو تجديد الإيمان في الجنان ، يدور مع الشرط المحذوف ، وهو تلاوة الوحي المنزل ، فدلالة القرآن في الخبر تجاوز ما قد يتبادر من القرآن المتواتر فذلك قرآن الوحي آيا وخبرا ، فتلاوته : تلاوةُ اللفظِ والمعنى ، تلاوة التصديق والامتثال ، على وجه قد استغرق أجزاء الحقيقة الدينية المجزئة ، فذلك شاهد به يَسْتَأْنِسُ من يجاوز بالإيمان حَدَّ الاعتقاد المجرد ، فهو التصديق المحقق الذي يشفع صاحبه دعوى الإيمان بالبينة من القول والعمل ، فهما له يشهدان من وجه ، وهما له يقاسمان من آخر ، فيقاسمانه حقيقة الإيمان في الخارج .
فالتلاوة ، حق التلاوة ، سبب في تجديد الإيمان في المحل الخاص وهو الجنان وذلك ما قَدْ جَاوَزَ فاستغرق الأركان جميعا ، فضلا عن التجديد الأعم الذي يجاوز الفرد إلى الجمع ، كما في الخبر آنف الذكر : "إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا" .

والله أعلى وأعلم .




توقيع :الحكمي RSS موثق وكالة
yes موثق وكالات معتمد بالرياض - وثق وانت في منزلك
نأتيك اينما كنت في المنزل او مقر العمل
إتصل الآن: 0567663666





الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية ..


 







الساعة الآن 04:35 مساء