منتدى الموثق فيصل الحكمي - موثق وكالة معتمد بالرياض




  • faisal.hakami من :مصر yes إهداء من إدارة منتدى الحكمي للتوثيق لـ فريق توثيق , على نشاطه ومواضيعه المتميزة في المنتدى, كل الشكر والتقديري وبإنتظار المزيد smile
    faisal.hakami من :السعودية - مدينة الرياض wink_3 توثيق الأعمال مع الحكمي أسهل واسررع - لا داعي لترك منزلك او مقر عملك من أجل التوثيق - سنذهب إليك اينما كنت داخل الرياض, نوثق لك وأنت في منزلك أو مقر عملك yes
    faisal.hakami من :مدينة الرياض yes موثق وكالات معتمد بالرياض - وثق وانت في منزلك - نأتيك اينما كنت - إتصل الآن: 0567663666 - أو سجل طلبك بالضغط هنا cool
    faisal.hakami من :مدينة الرياض cool yes تم افتتاح موقعنا الجديد (الحكمي للمحاماة والإستشارات القانونية) لطلب محامي في قضية او استشارة يرجى الضغط هنا smile cool
    اضافة إهداء
    (المعذره .. غير مسموح للزوار بإضافة الإهداءات, الرجاء التسجيل في المنتدى)


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتدى الموثق فيصل الحكمي - موثق وكالة معتمد بالرياض، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





من آي : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ...)

ومن قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَ ..



09-05-2020 07:29 صباحا
الحكمي RSS موثق وكالة
فريق انجزلي لخدمات الويب
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 15-06-2019
رقم العضوية : 172
المشاركات : 74951
الدولة : السعودية
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 210
موقعي : زيارة موقعي
 offline 

ومن




قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ، فَثَمَّ أَمْرٌ قَدْ عَمَّ في قوله تعالى : (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) ، فلا يخلو من تكليف الشرع بعد فعل الكون ، فعل الجعل الكوني النافذ ، فالمشي في المناكب فرع عن الجعل النافذ على حد التعليل ، ولا يخلو الأمر من دلالة عموم أعم من لفظه ، إن في العامل وهو المشي ، فَثَمَّ السعي والصفق وثم الجهد ولا يقتصر على المشي بالقدم فَثَمَّ ضرب الأرض شَقًّا أَنْ يُلْقَى فيها البذر طلبا للثمر .... إلخ ، من ضروب السعي النافع ، وكذا يقال في دلالة الفاعل ، ضمير الجمع المذكر في "امشوا" فهو مما يستغرق بما تقدم مرارا من دلالة التغليب لقرينة العموم في خطاب التكليف ، فيجري ذلك مجرى الخاص الذي يراد به عام ، فذكر الخاص مثالا ، فلا يخصص العام ولو معنى يجاوز الحد المذكور ، فما تقدم هو من ضروب العموم المعنوي لا نظيره اللفظي ، فكان من الأمر مَا يَحْكِي دلالة أخرى أَعَمَّ ، فإن المشي ابتداء من المباح طَلَبًا للرزق الحلال ، ولا يخلو من دلالة ندب ولو وسائل كمن يجتهد في التكسب لِيُكْثِرَ من التصدق المندوب الذي يجاوز الصدقة الواجبة ، ولا يخلو من دلالة الإيجاب فثم من المشي ما هو واجب لتحصيل الرزق الذي يسد الحاجة ويحفظ ماء الوجه فَلَا يُرَاقُ بذلة السؤال ، فاستغرق الأمر جميع أجزاء المأمور من وجوه السعي المشروع ، المباح والواجب وبينهما المندوب بل واستغرق المكروه ، على وجه ، فذلك قول من يجيز دخول المكروه في دلالة الأمر ، فليس بمحرم فلم يخرج من دائرة الفعل ، وإن مرجوحا خلاف الأولى ، فتركه أولى من فعله ، فلا يخلو من لوم لا يبلغ حد الذم الشرعي القياسي ، فإذ كان فعلا فلا يخرج من دلالة الأمر ولو إباحة ، وقد يجاب إنه مما يخرج عن حد الفعل بالنظر في الذرائع فهو حمى المحرم فلا يحصل الترك للمحرَّم إلا بمجانبة حماه من المكروه فلا يدخله فيوشك أن يقارف المحظور ، فكيف يكون وحاله تلك ، كيف يكون من المأمور ولو خلافَ الأولى .
وَثَمَّ مِنَ الْخَبَرِ مَا حُدَّ حَدَّ القصرِ بَتَعْرِيفِ الجزأين "هو" و "الذي" ، ولا يخلو الموصول في هذا السياق أن يكون مئنة من عهد خاص فلا يجري كما يجري في سائر مواضع الوصل أن يكون نصا في العموم الذي يَسْتَغْرِقُ ، فليس الجاعل للأرض خَلْقًا وَإِعْدَادًا للمحال أَنْ تَقْبَلَ آثارَ الأسبابِ ، وَإِمْدَادًا بالأسباب على وجه به الثناء بالقدرة النافذة والحكمة البالغة ، فليس الجاعل لها إلا الله ، جل وعلا ، الرب الخالق المدبِّر الذي أَعَدَّ الأرض وَهَيَّأَ ، فذلك ما رَجَّحَ دلالة العهد الخاص لِامْتِنَاعِ الشَّرِكَةِ فِي فِعْلِ الرُّبُوبِيَّةِ فهو من أجناس التوحيد الذي لا يَقْبَلُ الشركة ، وقد يُقَالُ ، من وجه ، إن العهد الخاص لم يكن إلا من الصلة لا من الموصول فهو في نفسه حالَ جُرِّدَ من صلته ، هو في نفسه مَئِنَّةٌ من العموم فضلا عن الإجمال الذي يفتقر إلى البيان فلا يستفاد به في نفسه معنى يُفْهِمُ بل دلالته المفردة لا تُفِيدُ ما تُفِيدُ سائر المفردات من الدلالة على ذات أو معنى معين ، ولو افْتَقَرَ إلى سياقٍ يُفْهِمُ ، مَذْكُورًا أو مُقَدَّرًا ، فَافْتِقَارُ الموصول إلى البيان أشد ، وهو ما قد فَسَّرَ به المحققون من النحاة بناءَه ، فقد أشبه الحرف شبه الافتقار إلى المبين الذي يُتَمِّمُ معناه ، فالجعل الكوني الذي استفيد من الصلة "جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا" ، ذلك الجعل هو مناط الفائدة ، وهو جعل الأرض على حَدِّ الاختصاص للمخاطبين وإن عَمَّ غيرهم فهو من خطاب الحاضر الموجود خاصا لا يخلو أن يدل على عام يستغرق كل مكلَّف ، حاضرا أو غائبا ، موجودا أو معدوما ، فيجري ، من هذا الوجه أيضا ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، وذلك الجعل ، أيضا ، بالنظر في معناه الكوني النافذ ، ذلك الجعل ، أيضا ، مما يجري مجرى العام الذي يجاوز المذكور من جعل الأرض ، فَثَمَّ جعل السمع والبصر والأفئدة ، فـ : (جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) ، وجعل الزوج من النفس ، فـ : (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) ، وجعل الأنعام ، فـ : (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) ، وجعل الزوج من الأنعام : (وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا) ، وجعل الليل والنهار ، فـ : (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) ، وجعل النار ، فهو : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) ، فَكُلُّ أولئك من جعل التكوين النافذ ، فَيَجْرِي ذِكْرُ الأرضِ في هذا السياق يجري ، أيضا ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام فلا يخصصه إذ جعل التكوين جنس أعم يستغرق المذكور مثالا ويستغرق غيره مما ذُكِرَ في آي وأخبار أخرى ، فذلك مما اطرد ذكره وَتَوَاتَرَ ، وهو مما تكاثرت أدلته على وجه استقرت به دلالته استقرارَ الضرورة العلمية الملجئة ، وهو ، أي جعل التكوين ، هو ، من وجه آخر ، مَبْدَأٌ لِمَا بعده من التكليف أمرا وَنَهْيًا ، فتوحيد الألوهية لازم ضروري من لوازم التوحيد الكوني ، توحيد الرب ، جل وعلا ، بأفعاله ، فالجعل منها ، وهو جعل التكوين النافذ ، فجعل الأرض ، وذلك ، كما تقدم ، مَا يَجْرِي مجرى المثال لعام ، وهو جنس الرُّبُوبِيَّةِ فَهُوَ يَسْتَغْرِقُ سائر أفعال الرب ، جل وعلا ، فليس جعل الأرض هو فعل الرب الأوحد ، بل أفعاله ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، في الوجود تَتَعَدَّدُ ، فَثَمَّ من توحيد الفعل ما هو أصل في باب الإلهيات ، وهو ما يصدق فيه أصل عام أَنَّ الْفِعْلَ قديم قِدَمَ الذات القدسية ، وأن آحاده حادثة بالمشيئة الرَّبَّانِيَّةِ ، فَيُحْدِثُ ، جل وعلا ، منها ما شاء كيف شاء متى شاء على وجه به تَظْهَرُ آثار القدرة والحكمة فاستحق بها الرب ، جل وعلا ، كمال الثَّنَاءِ والمدحةِ ، ولازم ذلك توحيده ، جل وعلا ، بأفعال العباد ، فذلك توحيد الإرادة والطلب ، بالنظر في فِعْلِ العبد المكلف ، وهو توحيد التصديق والامتثال ، بالنظر في آحاد المفعولات ، فمفعولات العبد تَسْتَغْرِقُ المفعول العلمي الباطن : تَصْدِيقًا وإقرارا وإذعانا ، والمفعول العملي فمنه مَا بَطَنَ كالحب والبغض ، وما يصدر عنهما من إرادة الفعل وَالتَّرْكِ ، ومنه ما ظهر : آثارا في الخارج تحكي ما يقوم بالجنان من الصور والإرادات تحكيها مقالات وحركات اختيارية .
فَكَانَ من العهد الخاص صدرَ الآيةِ ما قَصَرَ دلالة الموصول على واحد وَهُوَ الرَّبُّ الخالقُ ، جل وعلا ، وذلك ما رَشَّحَ في القصر بِتَعْرِيفِ الجزأين "هو" و "الذي" ، ما رَشَّحَ فِيهِ دلالة الحقيقة فلا يجري مجرى المبالغة إِذْ تَمْتَنِعُ فيه الشركة لِيُقَالَ إِنَّ ثم جاعلين للأرض كُثُرًا فَخَصَّ منهم واحد بالذكر تَنْوِيهًا بالشأن ، فليس ذلك ، بداهة ، من التوحيد فِي شيء بل هو نَاقِضٌ مِنْ نَوَاقِضِهِ ، أن يَكُونَ ثَمَّ آلهة كثر ، ولو كانوا كذلك لَفَسَدَتِ السماوات والأرض .
وثم ، من وجه آخر ، عمومات اسْتُفِيدَتْ مِنَ السِّيَاقِ ، فالجعل ، كما تقدم ، واحد من آحاد كثيرة هي أَفْعَالُ رَبِّ الخليقةِ ، جل وعلا ، أفعال الجلال والجمال وَبِهَا الثَّنَاءُ التَّامُّ بالكمال المطلق الذي اسْتَغْرَقَ سَائِرَ وجوه المعنى ، وسائر أفعال المولى ، جل وعلا ، فالجعل ، كما تقدم ، خَاصٌّ أُرِيدَ بِهِ عَامٌّ فَإِنَّمَا ضُرِبَ مَضْرِبَ الْمِثَالِ ولو في باب الجعل فإنه لا يقتصر على جعل الأرض مَحلِّ الشاهدِ فِي السِّيَاقِ ، بل قد جعل : (لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً) ، فثم جعل الأنفس وجعل الأزواج والأولاد ، فلا تخلو دلالة اللام في "لكم" من معنى الاختصاصِ وذلك آكد في تقرير المنة الربانية ، فَثَمَّ عموم قَدِ اسْتَغْرَقَ فَجَاوَزَ ، كَمَا تَقَدَّمَ مِرَارًا ، دلالة الضمير المخاطب المذكر ، فَثَمَّ دلالةُ تَغْلِيبٍ لقرينة العموم في المنة إذ تخصيصها بجنس أو قَبِيلٍ مما يُنَغِّصُهَا فلا تخصص إلا لحق ذي الجلال والعزة ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، كما قيل في تخصيص العموم في خبر المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" ، ومحل الشاهد استثناء مواضع من الأرض لا تجوز فيها الصلاة كما المقبرة ، فَخُصَّتِ المنة صيانة لجناب التوحيد أن يمس سدا لذريعة الغلو في المقبور إن كان مُعَظَّمًا بِنُبُوَّةٍ أو ولاية ..... إلخ .
فالمنة ينغصها التخصيص فهو نوع تضييقٍ ، والكريم إذا أعطى لم يُقَيِّدْ وَيُخَصِّصْ فَيُنَغِّصَ عطاءَه بالقيد ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى فهو أكرم الأكرمين ، فلا تخصص المنة إذ التخصيص يُنَغِّصُهَا ، فلا تخصص إلا لِمَا هو أرجح من حق الرب الأعلى ، عز وجل ، فكان تخصيص المنة العامة في هذا السياق ، وهي إباحة الصلاة في أي موضع ، فتلك دلالة "أل" في "الأرض" ، فشرعت الأرض كلها مسجدا ، فتلك دلالة الجعل في هذا السياق فهو قَسِيمُ الْجَعْلِ الكونيِّ كما في الآيِ آنِفِ الذكر : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ، فَثَمَّ جعل التشريع الحاكم الذي أباح الأرض طهورا ، وأباحها مسجدا ، فتلك منة عامة لا تخصص إذ ذلك مِمَّا لَهَا يُنَغِّصُ إلا إِنْ كَانَ التخصيص حفظا لِمَا هو أولى من حق الرب الأعلى ، عز وجل ، فكان تخصيص المنة العامة في إباجة الصلاة في أي موضع من الأرض ، كما قد دلت عليه "أل" في "الأرض" في الخبر : "وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" ، فدلالتها قَدِ اسْتَغْرَقَتْ مَعَانٍ عِدَّة ، فَثَمَّ بَيَانٌ لِلْجِنْسِ وهو أول ما يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ ، وثم استغراق لوجوه الماهية تُرَابًا وَرَمْلًا ..... إلخ ، وثم استغراق لآحادها من كافة المواضع مَدَرًا وَوَبَرًا ..... إلخ ، وذلك ما قد عَمَّ العمومَ المحفوظَ حَالَ الطهارة الحكمية بِالتُّرَابِ ، فاستغرق سائر الماهيات وسائر المواضع ، وإن دخله التخصيص بالعقل ، فلا يكون التيمم بداهة بما نَجُسَتْ عَيْنُهُ فلا يجوز التيمم به أبدا أو تَنَجَّسَ وَعَيْنُهُ ابتداء طاهرة ، فلا يشرع التيمم به إلا بعد تطهيره ، فَيُقَاسُ من هذا الوجه على الطهور الأول : الماء ، فالماء النجس يطهر بإضافة كثير طاهر فَتَزُولُ ماهية النجس وتضمحل في الطاهر الكثير ، وإن ندرت فلا عبرة بالنادر إذ زالت أوصافه من تَغَيُّرِ الطعم أو اللون أو الريح ، أو يطهر بإزالة النجاسة وما حولها بِالنَّزْحِ أو نحوه على وجه يحصل به اليقين أو الظن الغالب أن الماء قد طهر ، فكذلك التراب الأخص أو الصعيد الأعم من جنس ما علا الأرض ، فإذا نجس فإضافة الطاهر إليه تطهره إن غلب الطاهر وكثر ، وكذا إزالة النجاسة وما حولها حتى يحصل اليقين أو الظن الغالب أن الصعيد قد طهر ، فهو للطهور الأول ، الماء ، هو له تبع في الأحكام ، إذ هو عوض منه حال فُقِدَ ، فيعطى المعوِّضُ حكم المعوَّض منه على تفصيل في ذلك ، وذلك ما يجري مجرى القياس من وجه ، وإن كان في أمرِ تعبد فالأصل ألا قياس فيه ، فلا يثبت إلا بالتوقيف ، وإنما يصح في مواضع تجري مجرى الاستثناء والضرورة فهي مما يُقَدَّرُ بِقدرهِ .
وثم عموم آخر في إباحة الصلاة ، فجعلت الأرض كلها مسجدا ، وهو ما دخله التخصيص آنف الذكر ، تخصيص المنة حفظا لحق الله ، جل وعلا ، فكان النهي عن الصلاة في المقبرة والحمام ، وكان النهي عن موضع يُعَظَّمُ فيه غير الله ، جل وعلا ، صَنَمًا أو قَبْرًا أو مَشْهَدًا ...... إلخ ، ولو نَوَى المصلي بصلاته توحيد الله ، جل وعلا ، بأفعاله : أفعال المكلف من القيام والقراءة والركوع والسجود ........ إلخ ، فَالنَّهْيُ قَدْ عَمَّ سَوَاءً أَكَانَ الْقَبْرُ في قِبْلَةِ الصلاة أم دُونَهَا ، وسواء اعتقد المصلي في المكان فضيلة مخصوصة وذلك ما لا يثبت إلا بتوقيف من الوحي فالتحكم فيه أَنْ يُكْسَى مَوْضِعٌ لِحَاءَ فضيلةٍ مخصوصة بلا دليل من الشريعة المنقولة ، هذا التحكم تَعَدٍّ وَتَقَدُّمٌ بَيْنَ يدي الوحي المنزل ، فيدخل ، من هذا الوجه ، في عموم النهي في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، فالعامل قد أطلق فاستغرق سائر أجناس التقدم بين يدي الوحي المنزل ، مقاصد أو أحكاما ، إن في عقد أو شرع ، إن في سياسة أو حرب ، فَثَمَّ معنى يلطف فهو يجاوز التعدي في الأحكام التعبدية الخاصة إلى نظائرها من الأحكام السياسية العامة ، إذ لا يخلو التَّعَدِّي في الاثنين ، لا يخلو من اقتراح بالهوى والذوق فهو يُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ ولو بمعزل عن الوحي المنزل فيمنح ويمنع ، فهو يمنح المكان أو القول أو الفعل أو الحكم أو السياسة ..... إلخ يمنح كل أولئك أو بَعْضَهُ من الفضيلة ما لا نص له في الشريعة ، فَيَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا فِي مَوَاضِعِ التَّوْقِيفِ أو مواضع التحسين والتقبيح المنصوصة فيستجيز المخالفة عن حكم صحيح صريح إذ يَرَى الحسن في ذلك ، بل وَيَنْبِزُ الشرع أنه ناقص لم يكتمل ، ولو بِلَازِمِ قوله كما أُثِرَ عن مالك رحمه الله فمن زعم أن ثم محدثة دينية حسنة فقد نَبَزَ صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قد خَانَ وَكَتَمَ فَلَمْ يُبِنْ عن هذه الفضيلة التي جاء بها المحدث المتأخر ، فأكمل من الدين ما لم يكمل الأول ! ، أو نَبَزَ الشرع أنه عتيق لا يَنْهَضُ لِلنَّوَازِلِ المستجدة ، فهو يُقَبِّحُهُ ضِمْنًا وإن جَبُنَ أَنْ يُصَرِّحَ لفظا ، فيخالف عن مقاصد الشرع أو أحكامه استحسانا أو استقباحا ، فإما أن يستحسن ما يخالف عَنْ مَقْصِدٍ رَئِيسٍ مِنْ مَقَاصِدِ التَّشْرِيعِ أو حكم من أحكامه الجزئية ، فَيُجِيزَ ما مَنَعَ الشرع وَيُبِيحَ ما حرم ، فَيَرَى في رأيه أو ذوقه أنه الأحكم ، وإن خالف به كل منقول أو معقول يُتَصَوَّرُ ! ، فثم خاصة عُجْبٍ بالرأي قد بَلَغَتْ حَدَّ الجناية على الشرع بل ومنازعة الشارع الأعلى ، عز وجل ، منصبَ التشريع والحكم ، وهو من أخص أوصافه بل ذلك ما قد جاءت به النبوات فكانت خصومتها الأولى مع المخالف ما احتكر من منصب التشريع فأبى الانقياد للشرع المنزل وخالف عن تكليف العبادة الأول ، فلا بيكون بداهة إلا بالتوحيد ، توحيد الإرادة والطلب ، وتوحيد المرجع والمستمد ، فلا عبادة إلا بشرعٍ يتأوله العبد في جميع أحواله ، نطقا أو صمتا ، فعلا أو تركا ، خاصا أو عاما .
فالمخالف الذي يعطل الوحي وينازع الرب ، جل وعلا ، اسم الشارع ، ذلك المخالف إما أن يحسن ما استقبح الوحي ، كما تَقَدَّمَ ، وإما أن يستقبح ما قد حَسَّنَ الوحي وشرع بل وأوجب في مواضع ، بل وجعل من شروط الصحة الدينية في أخرى كالتحاكم إلى شريعة الرسالة العليا ، فيستقبح ذلك وَلَوْ لَمْ ينطق ، فذلك ناقض من نواقض الإيمان العملية أن تُعَطَّلَ الشريعة الرسالية المنزلة ويستبدل بها أخرى من الوضع محدثة ، فيكون من تقبيحه ما حَسَّنَ الشرع ، يكون من ذلك ما لا يخلو من التعدي والتقدم فهو الاقتراح بالهوى أو الذوق وإن خالف عن محكم الوحي خبرا أو حكما ، فذلك معنى أعم في النهي عن التقدم بين يدي الوحي ، الآي والأخبار ، فإطلاق العامل ، عامل "تُقَدِّمُوا" في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، يستغرق كل أولئك فلا يقتصر على باب من الدين دون آخر ، بل يستغرق الاعتقاد والقول والعمل فهو يضاهي الحقيقة الدينية المستغرِقة لكافة المحال التكليفية والأحوال الاختيارية باطنا وظاهرا ، قولا وعملا ، فعلا وَكَفًّا ، فكان من النهي ما قد عم إن بالنظر في دلالة الواو في "تُقَدِّمُوا" ، فهي بالنظر في دلالة الوضع المعجمي الأول ، هي بالنظر فيها مئنة من الجمع المذكر ، فلا تخلو من دلالة التغليب إذ تستغرق الإناث كما الذكور فتستغرق كل محل يَتَوَجَّهُ إليه خطاب التكليف ، رجلا أو امرأة ، فَرْدًا أو جَمْعًا ، مؤمنا أو كافرا ، فالمؤمن يخاطب بالنهي ابتداء لا جرم خص بالنداء الأول صدر الآي ، فالخطاب إليه خطاب مواجهة ، وهي ، لو تدبر الناظر ، على أنحاء ، فَثَمَّ مواجهة أَوَّلِ قَبِيلٍ من المؤمنين وهم من قد نَزَلَ الوحي عليهم ، فذلك ، من وجه ، يجري مجرى العام النازل على سبب ، فلا يخصص به إذ العبرة ، كما تَقَرَّرَ في الأصول ، بالعموم ، عموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي ورد عليه إلا أن تَرِدَ قرينة تخصيص ، فذلك يشبه ، من وجه ، ما تقدم من تخصيص المنة الربانية في جعل الأرض مسجدا وطهورا ، فَثَمَّ قرينة خصصت إذ جرت مجرى الترجيح بين مفسدتين : مفسدة القدح في حق الله ، جل وعلا ، إذ الصلاة في مواضع يُعَظَّمُ فيها غيره فضلا أن يُعْبَدَ من دونه ! ، فضلا أن يكون المصلي قد احتمل من معنى الغلو ما لا يحتمل في هذا الباب الجليل ، باب التوحيد وهو أصل الدين ، فَصَلَّى لله ، جل وعلا ، ولكنه خلط العمل الصالح بآخر فاسدٍ ، فأبطن من النية ما به قد تَعَدَّى وَتَقَدَّمَ بين يدي ذي الجلال والعزة ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فهي نية فاسدة مازجت الأصل وهو ما نوى من توحيد الله ، جل وعلا ، بعبادة الصلاة ، فمازجت النية ومازجت الماهية إذ النية شرط صحة في العمل فإن مازجها ما يُنْقِصُ أو يَقْدَحُ فذلك من التَّقَدُّمِ بَيْنَ يدي الشرع المنزل ، ومنه تقدم يقدح في أصل الدين الجامع ، وآخر يقدح في كمال الدين الواجب ، وإطلاق العامل في الآية أَنْ : (لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، يستغرق الوجهين .
فَثَمَّ ، كما تقدم ، تَرْجِيحٌ بَيْنَ مفسدتين : مفسدة القدح في حق الله ، جل وعلا ، ومفسدة التَّنْغِيصِ بتخصيص المنة إذ حُرِّمَتِ الصلاة في المقبرة ، وذلك معنى يجاوزها إلى نظائرها من الأماكن التي يُعَظَّمُ فِيهَا غير الله ، جل وعلا ، فالصلاة فِيهَا وَلَوْ جَرَّدَ الْمُصَلِّي النِّيَّةَ فَحَرَّرَ تَوْحِيدَهَا لِرَبِّ الْبَرِيَّةِ ، جل وعلا ، ولم يعتقد في المكان فضيلة تَزِيدُ فذلك ، كما تقدم ، مما لا ينال إلا بالتوقيف فلا اقتراح فيه بهوى أو ذوق ، فلما تعارضت المفسدتان ولم يكن ثم إلا أن تدفع إحداهما بالأخرى كان دفع العظمى بالصغرى فَاحْتُمِلَتْ مفسدة التخصيص للمنة الربانية وهي مما به التَّنْغِيصُ بِالتَّضْيِيقِ ، احْتُمِلَتْ دَرْءًا لمفسدة أعظم وهي مفسدة القدح في توحيد الرب الأعز الأكرم ، تبارك وتعالى ، فالصلاة في المقبرة مظنة الغلو ، والحكم إذا عُلِّقَ على المظنة لم تعتبر حقيقة الحكمة ، كما يقول أهل الشأن ، ولو لم يكن ثم نية فاسدة بشرك أو غلو ، فَثَمَّ سدٌّ لذريعة الغلو وثم حكمة في هجران هذه المواضع فلا يُكَثَّرُ سوادُ الباطل ، وذلك معنى يجاوز الصلاة عند القبر أو الضريح أو الشاهد إلى سائر أجناس التعبد ، كالذبح ونحوه كحديث الناذر أن ينحر إبلا ببوانة ، فلو ذبح لله ، جل وعلا ، في مكان يذبح فيه لغيره ، تبارك وتعالى ، فذلك ما يحرم وإن كان الذبح حلالا يطعم إذ انفكت الجهة ، فهو يأثم من وجه أَنْ كَثَّرَ سوادَ الباطل ، وَيُثَابُ ، من وجه ، أن أراق الدم تَقَرُّبًا إلى الخالق ، جل وعلا ، كما يقال في الصلاة عند القبر إذا لم يستقبله فكان دون القبلة وكان المصلي مجردا نِيَّتَهُ لرب العزة ، جل وعلا ، فهو يأثم ، من وجه ، وإن صحت الصلاة ، فهي صحيحة مع الإثم ، فانفكت الجهة في هذه الحال ، إذ يُثَابُ على الصلاة ، وَيَأْثَمُ أَنْ صَلَّى في موضع تحرم الصلاة فيه حرمة من خارج ، فالجهة قد انفكت من هذا الوجه ، ومع ذلك نُهِيَ عن الفعل إذ لا يَسْلَمُ من النقص ولا يسلم فاعله من الإثم ، فضلا أنه ذريعة إلى ما هو أعظم أَنْ تَتَّحِدَ الجهة فيكون الإثم الأكبر ، فهو يسجد للقبر على حد التعبد فَيُقَارِفُ من الفعل ما ينقض أصل الملة ، فَنُهِيَ عن الصورة الصغرى التي انفكت فيها الجهة سدا لذريعة الغلو الْمُفْضِي إلى الصورة العظمى التي اتحدت فيها الجهة ، فالصورة الصغرى أن يصلي في مسجد به قبر أو شاهد ، أو بقعة يعظم فيها غير الخالق ، جل وعلا ، وهو مع ذلك قد حَرَّرَ النية فانفكت الجهة ، فإن علم التحريم وَأَصَرَّ فقد أَثِمَ من هذا الوجه ، وإن كانت الصلاة صحيحة مع الإثم ، كما يقال في أحوال من قَبِيلِ : الصلاة في الأرض المغصوبة وهي مثال قد اشتهر في كتب الأصول والنظر ، فالصلاة طاعة والغصب معصية ، فأثيب من وجه ، وأثم من آخر ، وثم صورة تالية في الإثم : أَنْ يُصَلِّي في موضع يُعَظَّمُ فيه غير الخالق ، جل وعلا ، وشاخصه في القبلة فالمصلي يستقبله فذلك ما حكم فيه أهل الشأن بالبطلان ، فاستقبال الشاخص يجري مجرى الانتقاض ، انْتِقَاضِ شرطِ صحةٍ من شروط الصلاة ، وهو شرط استقبال القبلة ، وهو شرط صحة كالوضوء والنية فيجب استصحابه زَمَنَ العبادة كله ، وثم من يقول إن القبلة جهة مطلقة فقبلة الصلاة الكعبة أن يُصِيبَ عينها إِنْ وَاجَهَهَا أو يصيب جهتها إن غاب عنها فلم يكن من أهل الحرم ، فلا يخلو الأمر من شواخص تَفْصِلُ ولو جدار المسجد ، فالقبر الذي يُسْتَقْبَلُ في هذه الحال ، حال الشاخصِ الفاصل من الجدار أو نحوه ، القبر في هذه الحال ليس هو القبلة وإنما وَقَعَ تجاه القبلة ، فَقَدْ لا تبطل الصلاة من هذا الوجه وإن أثم المصلي إن علم التحريم عِلْمًا يُوجِبُ التصديق والامتثال ، فإن أَصَرَّ مع العلم فهو آثم ، وثم صورة ثالثة أن يعتقد في البقعة فضلا ، فذلك تحكمٌ في بابٍ الأصلُ فيه التوقيف فَهُوَ يَزِيدُ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ ، وذلك ما يَزِيدُ في الجرم على وجه بَلَغَ بِهِ بعض أهل العلم حد البطلان ، وقد يقال ، أيضا ، إن الجهة في هذه الحال قد انفكت ، فيأثم إن زاد في الشرع ما ليس منه في موضع توقيف فلا يخلو صنيعه من تَقَدُّمٍ بَيْنَ يدي الوحي ولكنه لَمْ يَبْلُغْ بالمصلي حَدَّ القدحِ في ماهية الصلاة الشرعية فَقَدِ اسْتَوْفَى الشرائط والأركان والواجبات وَانْتَفَتْ في حقه الموانع فَنِيَّتُهُ نِيَّةُ توحيدٍ صحيحة وإن زَادَ فِيهَا وَجْهًا لا يشرع وهو اعتقاد فضيلة لا تَثْبُتُ ، فانفكاك الجهة في هذه الحال يُتَصَوَّرُ ، وإن في النية ، فَثَمَّ نِيَّةُ الصلاةِ ، وثم اعتقاد الفضل فِي البقعة ، فَيُتَصَوَّرُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا ، فَيُثَابَ من جهةٍ وَيُعَاقَبُ من أخرى ، فَيُشْبِهُ ذلك ، من وجه ، الرياء الطارئ على عمل أصله صحيح فَقَدْ حَرَّرَ النية توحيدا مبدأَ العملِ ، ثم طرأ الرياء فالأصل صحيح والزيادة باطلة لا سيما إن كان العمل مما يُتَصَوَّرُ فيه الانقطاع والاستئناف أخرى ، فيجتهد ابتداء أَنْ يُدَافِعَ هذا الخاطر الطارئ ، فإن دَفَعَهُ فلا يضره ، فإن غلبه فَهُوَ يَقْطَعُ العمل وَيُحَرِّرُ النِّيَّةَ ويستأنف العملَ تَارَةً أخرى ، فكذلك اعتقاد فضيلة في المكان وليس فيه ذلك بل هو كسائر المواضع فلا امتياز له إلا بِدَلِيلٍ وَإِلَّا فالأصل أَنَّهُ بقعة كسائر البقع ، فلا زيادة إلا بدليل ، فالأصل يستصحب أن هذا المكان كَسَائِرِ الْبِقَاعِ ، فإذا وَرَدَ دَلِيلُ تَفْضِيلٍ فهو ناقل عن الأصل الأول ، فتلك دعوى لا تَثْبُتُ إلا بِبَيِّنَةٍ ، فاليمين على من أنكر ، كما في قول النبي الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" ، فذلك من الشرط الذي يجري مجرى التحذير إذ يبين عن عاقبة الدعوى المجردة ، فلو يعطى الناس بها ، أيا كان المعطي ، قاضيا أو حاكما ...... إلخ ، فَحُذِفَ الفاعل إذ ليس مناط الفائدة ، فَثَمَّ عموم يستغرق فَلَيْسَ الإشكال من يُعْطِي ، وإنما الإشكال في الإعطاء نَظِيرَ دعوى مجردة بلا دليل يشهد ، فلو كان ذلك لتوسع المدعون في دعاوى الدماء والمال ...... إلخ ، فالبينة على المدعي ، وذلك عموم يستغرق ، فدلالة "أل" في "الْبَيِّنَةَ" ، دلالة بَيَانٍ للجنس ، من وجه ، ودلالة اسْتِغْرَاقٍ فَالْبَيِّنَاتُ تستغرق البينات القولية والعملية ، المنطوقة والمكتوبة ، فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةٌ فِي نَفْسِهَا مُبَيِّنَةٌ لِغَيْرِهَا ، وذلك القياس المحكم إذ كيف تكون مجملة غيرَ مُبَيَّنَةٍ في نفسها وهي ، مع ذلك ، تُبِينُ عن غيرها ، فالبينة على من ادعى ، وذلك عموم آخر فتلك دلالة الموصول الاسمي المشترك الذي حُدَّ حَدَّ العاقل المفرد "مَنْ" ، فهو يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به العام ، فلا يخصصه ، إذ الحكم يستغرق كل ذي دعوى سواء أكان شخصا حقيقيا أم آخر اعْتِبَارِيًّا فَقَدْ يكون المدَّعِي جهة أو هيئة مجموعة ، وسواء أكان رجلا أم امرأة ، فردا أم جماعة ، هيئة أم دولة ...... إلخ ، فضلا عن إطلاق العامل ، عامل الدعوى فاستغرق الدعوى الباطنة اعتقادا ، والدعوى الظاهرة قولا أو عملا ، دعوى دين أو دنيا ، دعوى حكم أو سياسة أو حرب ..... إلخ ، وفي مقابلها اليمين ، فمن يُنْكِرُ فهو يستمسك بالأصل المستصحب وهو بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ أَوِ الْبَرَاءَةُ الأصلية فالأصل أن الذِّمَّةَ شاغرة لم تُشْغَلْ بِشَاغِلٍ ، فلا تجب عليه الْبَيِّنَةُ وإنما يجزئ في حقه اليمين المنكِر إلا أن يُقِيمَ المدعي دَلِيلًا يشهد ، فَيَجِبُ عَلَى المدَّعَى عليه في هذه الحال أن يقيم دليلا يَنْقُضُ دليل المدَّعِي ، أو يُبِينُ عن قرينة تطعن في دليل المدعي ، فَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ، فذلك أصل في باب الدعاوى ومنها الدعوى آنفة الذكر ، دعوى الفضيلة لِبُقْعَةٍ أو فِعْلَةٍ ، فمن زعم أن في بُقْعَةٍ ما فضلا يزيد أو في عمل مَا أَجْرًا يزيد فتلك دعوى ناقلة عن الأصل في باب الأصل فيه التوقيف ، فلا يَنْتَقِلُ الناظر عن الأصل إلا بدليل يُثْبِتُ هذا الفضل ، فمن زعم أَنَّ في بُقْعَةٍ ما من الأرض فضيلةً تُوجِبُ للصلاة فيها أَجْرًا يزيد على الصلاة في بَقِيَّةِ البقع فتلك دعوى تَفْتَقِرُ إلى دليل من خارج ، كما في إثبات الفضيلة لمن صلى الظهر في قباء إذ تَقَصَّدَ صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك عَلَى وَجْهٍ جَاوَزَ حَدَّ العادة أو واقعة العين ، فَثَمَّ معنى في الشرع أخص ، وهو ما أوجب لمسجد قباء هذا الفضل ، وكذلك الشأن في الصلاة في المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى ، فتلك مواضع ثَبَتَ لها فضل زائد بدليل من خارج لا بالهوى والذوق المحض ! ، فلا يثبت لغيرها إلا بدليل ، فمن ادعى في بقعة مَا فضلا يوجب ثَوَابًا أعظم ، فقد ادَّعَى مَا يَزِيدُ فَلَا بد من دليل ، خلاف ما يكون من فضيلة كفضيلة المسجد الجامع على غيره فتلك فضيلة عامة لا نص فيها على أجر خاص ، فمن ادعى أن الصلاة عند قبر الولي أو ضريحه أو شاهده ..... إلخ ، من ادَّعَى أَنَّهَا أفضل وَأَنَّهَا تعدل كَذَا وَكَذَا من الأجر ! ، فَقَدِ ادَّعَى ما يخالف عن الأصل وهو أن البقاع كُلَّهَا سواء ، فضلا أن تلك ذريعة إلى الغلو المحرم الذي قد يُفْضِي بصاحبه إلى انْتِقَاضِ الأصل المحكم ، أصل الدين الأول ! ، فقد يَنْتَقِلُ مِنْ هذا القول إلى آخر أفحش ، فهو يشد الرحال إلى هذه البقعة ويغلو في صاحبها فهو يسجد له ويصلي ، وذلك ، وإن كان ، بادي الرأي ، بعيدا فالشيطان يُقَرِّبُهُ خطوات تَتْرَى ، فلا زَالَ يتدرج بصاحبها حتى يوقعه في الشرك الأكبر لا جرم نُهِيَ عن كل ما تقدم سدا لذريعة الوقوع في الشرك الأكبر ، فهو الجرم الأعظم ، فتلك صورة تبطل فيها الصلاة بداهة وإن كان ظاهرها أنها لله ، جل وعلا ، فماهيتها المخصوصة في الخارج قد ثَبَتَتْ على وجه يواطئ ظاهر الشريعة ولكن باطن القصد قد فسد بل قد أشرك صاحبه وَمَرَقَ من الدين كله فهو يسجد لغير الله ، جل وعلا ، فيشبه ذلك ، من وجه ، ما يكون من شعائر مخصوصة في النسك كالطواف والذبح فَهُوَ يَصْرِفُهَا لِغَيْرِ اللهِ ، جل وعلا ، وإن كان ظاهر الأمر أَنَّهُ يَتَقَرَّبُ ، فَإِنْ عُذِرَ فَعُذْرَ الجاهل إن لم تَبْلُغْهُ حجة الوحي المنزل ، وإلا فالفعل في جميع أحواله شِرْكٌ يَنْقُضُ ، فذلك الحكم المطلق وأما الحكم على مُعَيَّنٍ في الخارج فذلك ما يَفْتَقِرُ إلى قدر زائد مناطه أَنْ تُقَامَ حجة الرب الشارع ، جل وعلا ، وذلك ، لَوْ تَدَبَّرَ النَّاظِرُ ، أصل يطرد في هذا الباب الجليل الذي عمت به البلوى ، باب الأسماء والأحكام الشرعية مدحًا أو ذَمًّا ، فَثَمَّ مناط عام وهو الحكم المطلق ، وثم آخر خاص وهو الحكم المقيد ، فَثَمَّ من يذبح لغير الله ، جل وعلا ، فذلك قصده الباطن وإن كانت الصورة في الظاهر أنه يذبح لله ، جل وعلا ، فهو يهل باسمه وقد أبطن ضده ، فلا يقال في هذه الحال إن العبرة بالظاهر وقد وقع صحيحا في الخارج فالله ، جل وعلا ، أعلم بالسرائر ، إذ قد ثَبَتَ من القرينة الصارفة ما ينقض هذا الظاهر فاستبان بها القصد الباطن كمن يذبح أمام قبر وقد استقبله وهو ممن اشتهر أنه يشد الرحال إليه كل عام أو موسم ، فكل أولئك من القرائن مِمَّا يُهْدِرُ الإهلال باسم الله ، جل وعلا ، فقد أَهَلَّ بالذبح لغيره في الباطن ، وهو مناط الاعتبار فلا عبرة بظاهر يخالف عن باطن ، فالعمل باطل ، وبطلانه لا يقتصر في أحيان على أحكام الآخرة بل يستغرق أحكام الدنيا إن كان ثم من القرائن ما يَنْقُضُ الظاهر ، فَلَوْ أجراه على قانون الشرع المنزل وكان ثم من القرينة ما يفضح ، فحاله كحال المنافق الذي يظهر الإيمان ويبطن ضده فيقبل منه في أحكام الدنيا إلا إن أظهر من نواقض الإيمان ما يوجب في حقه الاستتابة ، فضلا أن يَتَكَرَّرَ نِفَاقُهُ فعنوانه في هذه الحال الزندقة ، فهو يظهر ما استكَنَّ في جنانه إذا عُطِّلَ الحق وَانْفَلَّ سيف الشرع ، فإذا قوي الحق وسل السيف ، سيف الشريعة العادل ، فَهُوَ يَجْبُنُ فَيَسْتَتِرُ بالمقال الباطن ، فلا كتاب وحده يجزئ في ظهور الحجة الرسالية الظهور التام ، فهو يجزئ في ظهورها حجة وبرهانا ، وأما ظهور الحكم والسياسة فذلك ما ينهض به سيف الديانة ، سيف العدل الذي لا يظلم ، فهو ينافح عن الكتاب المنزل ، من وجه ، وهو يحمل حجته فيفتح بها الأمصار فيبطل من حكومات الجور ما حال بَيْنَ الخلق وحجة الحق ، جل وعلا ، فلا يكره أحدا أن يَنْتَحِلَهَا وإنما يضرب من ناجزها فحال دون بلوغها الناسَ على وجه صحيح صريح يجزئ في قيام الحجة الرسالية المحكمة ، فلا تكمل الحال إلا بالاثنين : الكتاب الهادي والحديد الناصر ، كما قد أبان عنه الوحي النازل في قوله تعالى : (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) ، فكان وصف صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه الضحوك جمالا والقتال جلالا ، فكان من وصف المبالغة في كلتا الحالين ، فَحُدَّ الضحوك فعولا فهو يُبَالِغُ في الجمال في مواضعه وذكر الضحك من هذا الوجه يجري مجرى المثال لعام وهو جنس الجمال ، وَحُدَّ القتالُ في المقابل فَعَّالًا فهو يبالغ في الجلال في مواضعه وذكر القتل من هذا الوجه يجري ، أيضا ، مجرى المثال لعام وهو جنس الجلال ، فالثناء لا يكون بأحدهما دون الآخر بل يكون بهما جميعا لا على حد التناقض والانفصام ، وإنما الكمال أن يَتَخَلَّقَ الإنسانُ بِهِمَا جَمِيعًا ، كُلٌّ فِي مَوْضِعِهِ الذي يلائم فَذَلِكَ حَدُّ الحكمة التي يحسن صاحبها يَضَعُ كُلَّ شيء في موضعه الذي يلائم فهو يضع الجمال في موضعه ، والجلال في نظيره فيكون من الكمال أن يُنْفِذَ الحكم في المحل الذي يلائم ، فذلك وصف النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو نبي المرحمة جمالا ونبي الملحمة جلالا ، وإنما الذم يلحق كل من أخذ طَرَفًا فَلَمْ يُصِبِ الْقَصْدَ ، فَثَمَّ طَرَفٌ يغلو وآخر يجفو ، فكلاهما ذميم ، وذلك ، أيضا ، من حد المبالغة الجارية مجرى التَّعَلُّقِ اشْتِقَاقًا وهو وجه من وجوه المجاز عند من يُثْبِتُهُ في اللسان والشرع فهو فَعِيلٌ قد ناب عن مفعول فذلك الذميم المذموم ، وهو آكد في تقرير الحكم تسجيلا لجناية الغلو أو الجفاء فكلاهما ، كما تقدم ، يذم ، وإنما يمدح من اقتصد فأصاب القصد فلا غلو ولا جفاء ، فَلَا إِفْرَاطَ يَزِيدُ وَلَا تَفْرِيطَ يُنْقِصُ ، وإنما العدل وهو الفضيلة بين رَذِيلَتَيْنِ ، فالنبي الذي أُرْسِلَ رحمة ، كما في قول ذي الجلال والعزة : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، هو النبي الذي جاء قريشا بالذبح لا أنه يظلم فَيُعْمِلُ السيف بلا حق ، وإنما جاء بالذبح في حق من أجرم وأفحش ، فالجلال يحسم ويزجر ، فيحسم مادته الخبيثة وَيَزْجُرُ غَيْرَهُ فذلك من القياس المحكم أن يَعْتَبِرَ بِنَظِيرِهِ ، فهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي بُعِثَ بالسيف فاتحا للبلدان كما بُعِثَ بالوحي فاتحا للجنان ، فاستجمع الوصفين على حد الثناء المطلق إذ لا تناقض فالجهة قد انفكت وذلك ، كما تقدم مرارا ، قانون الحكمة فصاحبها يجمع المختلفات إذ يحكم لكلِّ محل بما يلائم من الأحوال ، فمحل الشدة يلائمه الجلال ومحل اللين يلائمه الجمال ، ومن يلاعب ولده جمالا هو الذي يستصلحه بالشدة جلالا فَلَا يُقَالُ إِنَّهُ يَتَنَاقَضُ إِذْ لو قصد أحدهما دون الآخر لأفسد الولد غلوا أو جفاء ، فلا يحمد من لَانَ فاستعمل الجمال مطلقا إلا إن كان ثم عجز واستضعاف فهو يُبَاشِرُهُ تَأْلِيفًا للقلوب لا إِقْرَارًا بالشرور ، فَيَتَّقِي تُقَاةً تُشْرَعُ إذ بِهَا بَيْضَةُ القبيل المؤمن تُحْفَظُ ألا يُسْتَبَاحَ وَتُنْتَهَكَ حُرُمَاتُهُ ، وهو ، مع ذلك ، يَنْتَحِلُ القصد فَوَاجِبُ وقته في هذه الحال هو الجمال على وجه لا ينسخ ضده من الجلال إن كانت حاله التي تواطئ ، فالحكم من هذا الوجه منسوء لا منسوخ ، فَيُنْسَأُ كُلُّ حكمٍ ويؤخر للحال التي تلائم ، فحال الجمال يلائمها اللين ، وحال الجلال تلائمها الشدة ، والعدل فرض لازم في كلتا الحالين فلا يكون لينه لين اللئيم الذي يَتَكَلَّفُ أخلاق الجمال حتى تحصل له مُكْنَةٌ فَيَبْغِي ويطغى ، ويجاوز حد الشرعة ، فليس ذلك من الحق في شيء بل ذلك مَئِنَّةٌ من خسة الأصل ، فَلِينُ الكريم في مواضع اللين وصف يحمد سواء أكان حال استضعاف فهو يَتَقِّي وَيَتَأَلَّفُ أو حالَ مُكْنَةٍ فهو يُطْلِقُ وَيَصْفَحُ ما لم يكن ثَمَّ في الصفح مضرة فهي في حق اللِّئَامِ مفسدة تَعْظُمُ إذ تُغْرِي المجرمين أن يعاودوا الكرة فيستبيحوا دماء المؤمنين وحرماتهم ، فَوَجَبَ القطع بسيف الحق على وجه لا يجاوز حد العدل فلا فَضْلَ معَ لَئِيمٍ ، فالعدل في قصاصه حتم لازم ، إذ ليس الفضل إلا لأهله أو مَنْ يُرْجَى خيره خلاف من لؤم أصله فلا يحسم مادتة الخبيثة إلا السيف ، وشدة الكريم في مواضع الشدة ، في المقابل ، ذلك وصف آخر يحمد ، وبه استكمال القسمة جمالا وجلالا وبهما ، كما تقدم مرارا ، الثناء بالكمال المطلق ، فذلك وصف الكامل من البشر فهو يجمع الأضداد لا على حَدِّ التَّنَاقُضِ وَالْفِصَامِ وإنما يُحْكِمُ أَمْرَهُ فَيَضَعُ في كُلِّ محل ما يلائم وصفَه ، وذلك قانون التعليل الصريح في الأحكام إذ الحكم يدور مع علته وجودا وعدما ، فحكم الجمال يدور مع علته وجودا وعدما ، وحكم الجلال في المقابل يدور مع علته وجودا وعدما فاطرد القياس وانعكس ، واضرب له المثل بالصديق الأعظم ، رضي الله عنه ، وهو مضرب المثل في الرقة فَلَمَّا جَدَّ الجد وَاشْرَأَبَّتِ الردة فَمَدَّتْ عنقها كان من سيفه الحاسم ما قَطَعَهَا فهو الرجل الْفَعَّالُ لا القوال فلا يكثر من القول وإنما تحكي جيوشه بِزَحْفِهَا في الأرض ما لا تحكي الألسن بِنَثْرِهَا وَنَظْمِهَا ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما يدخل في عموم الشاهد الرئيس في آي الملك : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ، فَزَحْفُ الجيوش الفاتحة يدخل في حد المشي في الأرض التي ذُلِّلَتْ التذليل التام ، فحد المفعول الثاني "ذَلُولًا" ، حُدَّ فعولا من مفعول فهي ذلول مُذَلَّلَةٌ ، وذلك آكد في تقرير المعنى في سياق المنة الربانية جعلا في الكون أعقبه الأمر في الشرع بالمشي في الأرض ، فلا يخلو المشي في مناكبها أن يكون مشي الجلاد بالسيف والسنان كما الجدال بالحجة والبرهان ، وإن تَبَادَرَ إلى الذهن من الأمر في الآية أنه مشي السعي في الكسب والتجارة ، فكان من مَشْيِ الصديق ما صَدَّقَ الوحي فلا يَنْقُصُ الدين وهو حي ، وإن كان أرحم الأمة بالأمة ، فهو أجلها بعد نَبِيِّهَا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مواضع الجلال ، فكان من حربه ما صار مضرب المثل ، فلم يُعْطِ الخصوم إلا خطة الخسف أن يسومهم بجنده سوء العذاب قتلا وأسرا وسبيا ، وبعده الفاروق وهو الذي غلب عليه الجلال فَلَمَّا ولي الأمر كان من أجمل الناس وأرحمهم ، فأحسن إذ وزر للنبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَصِدِّيقِهِمن بعده ، وأحسن إذ ولي بعدهم ، فَلَبس لكل حال لبوسها وذلك ، لو تدبر الناظر ، وصف الجيل الأول جيل الرسالة الذي صُنِعَ على عين الوحي فكان من كمال خلائقه ما استقامت به الأحوال الباطنة والظاهرة ، الخاصة والعامة ، فكان صلاح الأرض وعمارتها بالحق فلا يَنْهَضُ بذلك إلا من استجمع الوصف الكامل فَوَضَعَ كُلَّ خُلُقٍ في الموضع الذي يلائم .

فَثَمَّ ، وهو محل شاهد تقدم ، ثَمَّ حال نفاق تبلغ في أحيان حد التلاعب الذي يدل على انْتِفَاءِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ بل والاستخفاف والتهكم إذ أَمِنَ صاحبه العقابَ فَتَجَرَّأَ ، فهو يظهر الكفران تارة ويكتمه أخرى ، فَيُعَاوِدُ ذلك في كل مرة على وجه يُلْحِقُهُ بجنس الزنادقة المتلاعبين بأحكام الدين ، فلا تقبل توبة مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ وذلك ما يجري مجرى سد الذرائع إلى التلاعب بأحكام الوحي النَّازِلِ ، فَيُحَدُّ أبدا وإن صدق في التوبة ، إذ تَنْفَعُهُ آنذاك في أحكام الآخرة لا أحكامِ الدنيا ، فهو في هذه الحال يخالف عن أحكام المنافق الذي لم يستعلن إذ يَنْفَعُهُ ما يظهر من الإيمان ، يَنْفَعُهُ في أحكام الدنيا لا أحكامِ الآخرة ، وكذا المرتد إن اسْتُتِيبَ فَتَابَ ولم يعاود الردة ، وإن كان رجوعه خوفا لا رضى ، فذلك ما يَرْفَعُ عنه الحد في الدنيا وإن لم يرفع الإثم لا في الأولى ولا في الآخرة ، فَانْتَفَعَ بحكم الإسلام الظاهر ولم يحصل له من الإيمان الباطن ما به يستوفي حَدًّا يجزئ في النجاة يوم الحشر ، خلاف من آمن الإيمان الكامل باطنا وظاهرا فهو الموعود بالنجاة ابتداء ، ومن دونه ممن حصل له قسط من الإيمان يجزئ في خروجه من عهدة الكفران والنفاق ، فهو مؤمن في الباطن والظاهر وإن لم يستوف الحد الواجب فالجهة فيه ، أيضا ، قد انْفَكَّتْ ، إذ وُعِدَ بما معه من إيمان وَتُوُعِّدَ بما فاته من كمال ، فالاعتبار في هذه الدار بأحكام الدنيا فلا يؤمر الحاكم بالتفتيش في البواطن فتلك أحكام الآخرة التي انْفَرَدَ بها الخالق ، جل وعلا ، إلا أن تَبْدُرَ بادرة توجب الأخذ في الدنيا بأحكام الجلال حدا أو تعزيرا ، فمن استتر فلم يظهر من الشر ما يوجب العقاب والزجر فأمره إلى ربه ، جل وعلا ، فمن صلى في بقعةٍ يُعَظَّمُ فيها سوى الله ، جل وعلا ، فذلك أمر يحرم ، وتلك أدنى أحواله ، ولا يخلو من تحكم بالهوى أو الذوق ، وهو ما قد نَهَى عنه الوحي كما في الآي آنف الذكر أَنْ : (لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، فَثَمَّ خطاب الجماعة على أنحاء منها : خطاب الجماعة المؤمنة خطاب المواجهة لمن شهد نُزُولَ العام لا سيما إن نَزَلَ على سبب كما في هذا الموضع ، وهو ما لا يُخَصَّصُ لَفْظُهُ ، فالعبرة ، كما تَقَدَّمَ ، بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فَثَمَّ عموم أوسع إذ يخاطب الجماعة المؤمنة كلها مَنْ حضر وَمَنْ غاب ، مَنْ وُجِدَ آنذاك وَمَنْ عُدِمَ ، فذلك ، من وجه ، مما يُسْتَأْنَسُ به في خطاب المعدوم ، فخطاب الموجود خطاب الفعل وخطاب المعدوم خطاب القوة ، فلا يصير واجبا بالفعل إلا أن يخلق المحل ويوجد ويبلغ من كمال الأهلية ما تُنَاطُ به الأحكام التكليفية ، وهو كسائر خطابات الشرع مما تدخله دلالة التغليب ، فالواو في "تُقَدِّمُوا" نص في التذكير ، ودلالتها في هذا السياق تَسْتَغْرِقُ كُلَّ محلٍّ يصح تكليفه بالفعل أو بالقوة ، فَتَسْتَغْرِقُ الإناث كما الذكور ، فكلُّ مَنْ قَامَ به وصف الإيمان قوة أو فعلا فهو يُخَاطَبُ بهذا التكليف ، وهو ما يُدْخِلُ الجمع الكافر فهو مؤمن بالقوة إذ محله يقبل التكليف ابتداء وإن خالف عنه فَلَمْ يؤمن ، فخوطب بتكليف الوحي ، من هذا الوجه ، وذلك العموم الذي لا أعم منه فهو يستغرق جميع المحال ، ولا يخلو التكليف ، من وجه آخر ، أن يجري مجرى التوكيد تارةً فِي حَقِّ من آمن فإن نهيه ألا يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ الوحي ، فإن نهيه عن ذلك لازم ضروري من لوازم إيمانه وإلا كان الشرك في المرجع والمصدر وهو ما يَنْقُضُ أصلَ الدين المحكم ، وهو ، من وجه آخر ، خطاب تأسيس في حق الكافر ألا يَتَقَدَّمَ بين يدي الوحي فيؤمن به ويستأنف عقد إذعان وإقرار جديد يَنْسَخُ به ما قام بمحله من الشرك .
وخطاب المؤمن ، من وجه آخر ، تكليف مباشر ، وخطاب الكافر ، في المقابل ، تكليف بالأمر أو النهي وبما لا يصح إلا به من الأصل ، أصل الإيمان الجامع ، فالأمر بالشيء يَسْتَلْزِمُ النهي عن ضده ، من وجه ، ويستلزم مجموعا مُرَكَّبًا يَأْتَلِفُ فلا بد من استيفاء شرطه وَانْتِفَاءِ قوادحه واستجماع بواعثه وذرائعه فما لا يكون إلا بها فالأمر يتوجه بها كما يتوجه به فهي له تَبَعٌ ، إذ الذرائع تَتْبَعُ المقاصد إن فَتْحًا أو سَدًّا ، فتفتح الذرائع إلى المشروع ويكون حكمها حكمه إن من الواجب أو المندوب ، وَتُسَدُّ الذرائع إلى المحظور ويكون حكمها حكمه إن من المحرم أو المكروه ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فما لا يتم واجب التكليف إلا به فهو واجب .
والنهي في الآية : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) يستغرق وجوها منها ما ينقض أصل الدين الجامع كالتقدم بين يدي الوحي تَعْطِيلًا يَعُمُّ أو استباحة للتَّرْكِ أو استخفافا بالشرع ، ومنها ما يَنْقُضُ كمال الإيمان الواجب ، كالتقدم شهوةَ عصيانٍ بلا استباحة أو استخفاف ينقض أصل الإيمان الجامع ، فكان من النهي ألا يَقْتَرِحَ المكلف بهواه أو ذوقه ، فَيَسْتَحْسِنَ ما اسْتَقْبَحَ الوحي ، كما في المثال آنف الذكر ، مثال الصلاة في موضع يُعَظَّمُ فيه غير الله ، جل وعلا ، إذ يجري مجرى الذريعة إلى تكثير سواد الباطل ، فَسَدُّهَا أمر واجب فلا يحضر المنكر إلا أَنْ يُنْكِرَ وَيُزِيلَ فيكون في شهوده ما يَنْفَعُ وإلا زال فلا يشهد الزور ، فذلك ، من وجه ، ما يواطئ وصف أهل الحق : (الَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) ، فلا يشهدونه إذا لم يُطِيقُوا التَّغْيِيرِ ، يقينًا أو غلبةَ ظنٍّ ، ولا يشهدونه سدا لذريعة التكثير ، فكان من سد الذريعة آنفة الذكر أن نُهِيَ عن الصلاة في المقبرة ، فذلك تخصيص لعموم المنة في جعل التشريع أَنْ : "جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" ، فَلَئِنْ نُغِّصَتْ إذ ضُيِّقَتْ فلا يخلو ذلك من مصلحة تَرْجُحُ وهي حفظ جناب التوحيد المحكم سدا للذارئع القادحة في أصله الجامع أو كماله الواجب ، فكان من الجعل في الخبر ، جعلُ التشريعِ إباحةً ورخصة وهي من الخصائص التي امتن بها الله ، جل وعلا ، على صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَأُمَّتُهُ لَهُ تَبَعٌ فياء المتكلم في "لي" في قوة ضمير الجمع على تأويل : جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا لما تقدم مرارا من قرينة العموم في خطاب التكليف فذلك الأصل حتى يرد دليل تخصيص يقتصر فيه التكليف على المخاطب الأول صلى الله عليه وعلى آله وسلم دون غيره ، وهو ما قَدْ حُذِفَ فاعله للعلم به بداهة فالجاعل في التشريع هو الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، كما الجاعل في التكوين ، فَحُذِفَ الفاعلُ هنا للعلم به ، بداهة ، كما أنه مما ذكر في مواضع إما صراحة ، كما في قوله تعالى : (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) ، أو إضمارا كما في الآي محل الشاهد : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا) ، فَذُكِرَ الفاعل في مواضع دلت على المحذوف المقدَّر في أخرى ، فذلك مما يجري مجرى الإيجاز حذفا لقرينة الذكر في موضع آخر فهي الدليل على الحذف إذ لا حذف إلا بدليل ، كما يقول أهل الشأن ، فَيَجْرِي ذلك مجرى تأويل بعض الوحي بِبَعْضِهِ إذ استجمعت ألفاظه فدل المذكور منها على المحذوف وتلك طريقة تَطَّرِدُ في تفسير الكلام فلا يفسر آحادا وإنما يجمع وَيُضَمُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ فَيحصل بصورة الجمع من الاستدلال ما لا يحصل بالأفراد .

والشاهد أن ثَمَّ جَعْلًا قَدْ أُطْلِقَ فِي الذهن فَجَرَى مجرى الجنس العام الذي يستغرق أنواعا ، فَثَمَّ جعل التشريع الحاكم كجعل الأرض مسجدا وطهورا ، فتلك مِنَّةُ إباحة ، ولا تخلو ، من وجه ، أن يُزَادَ فيها معنى الإيجاب إذ التيمم يجب إذا عُدِمَ الماء ، فينوب الطهور الثاني حكما عن الطهور الأول حقيقة ، وكذلك الصلاة فهي تُبَاحُ في كل بقعة ، وهي بالنظر في ماهيتها الشرعية فرض من آكد الفرائض الدينية ، وإن احتملت أنواعا منها المندوب الذي لا يخلو من قسمة أخرى فمنه الراتب ومنه غيره ، ومنه المطلق ومنه ذو السبب ، بل ومنه المكروه في أحيان والمحرم في أخرى كالصلاة في أوقات النهي ، والصلاة في المقبرة ...... إلخ ، على تفصيل في كتب الفروع .

ومقابل هذا الجعل الشرعي كان الجعل الكوني آنف الذكر في آي تبارك في قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ، فجعل الأرض مُذَلَّلَةً ، فَنَابَ مثال المبالغة "فعول" إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده ، كما تقدم ، وهو ما اصطلح أهل الشأن أنه تَبَادُلُ الصِّيَغِ أو مجاز التعلق الاشتقاقي عند من يجوز المجاز في اللسان والوحي ، ومن ينكر فهو على أصل قد تَقَدَّمَ مرارا ، فكل أولئك عنده مما اسْتَعْمَلَتْهُ العربُ في كلامها فَكَثُرَ حَتَّى صار حقيقة ، ولو في عرف اللسان ، وثَمَّ عموم في دلالة "أل" في "الأرض" فهو مئنة من تقرير المنة وتوكيدها ، إذ استغرق آحاد المدخول جميعا فَبُسِطَتِ الأرض وَسُوِّيَتْ ، فذلك الغالب ، ولا عبرة بالنادر مما وعر أو صعب ، فالأصل فيها الانبساط والتذلل ، بل ما وعر من الجبال لم يخل من سُبُلٍ تُسْلَكُ وذخائر تُعْدَنُ فَبِهَا يَنْتَفِعُ الناس وَيَثْرَونَ ، فضلا عما تقدم من دلالة التخصيص فضلا في لام "لكم" مع ما احتمل الضمير من دلالة العموم المستغرِق بدلالة التغليب ، فهو يستغرق كل من صَحَّ خطابه بالتكليف ، وبعده كان الأمر الذي دخلت عليه الفاء فلا تخلو من دلالة فور وتعقيب وذلك آكد في التقرير والتوكيد ، فضلا عن دلالة السببية وإن لم تكن نصا فيها ، فكان من الأمر بالمشي ، وهو مثال لجنس أعم فذلك السعي ، وإنما خص المشي إذ هو الغالب فخرج الكلام مخرج الغالب فلا مفهوم له ، كما يقول أهل الشأن ، فقد يكون السعي ولو لم يمش بقدمه ، فيكون من كَلَامِهِ أو كتابه ما هو سَعْيٌ بالنطق أو السطر ، فضلا عن إطلاق المشي فاستغرق ، وهو ما قد خص بالعقل فَخَرَجَ منه المشي المحرم والمكروه ، فثم عموم يستغرق المشي الواجب كما في المشي إلى الجمع والجماعات فذلك من فروض الأعيان أو المشي بالوحي دعوةً وَفَتْحًا فذلك من فروض الأعيان ابتداء كلٌّ بما يطيق فلا يخلو من دلالة المجموع الكفائي الذي لا يخلو فيه فَرْدٌ من واجب عيني ، ويستغرق معه المشي المندوب كصلة الأهل والأصدقاء ، وإن كان منها ما هو صلة واجبة كصلة ذوي الرحم ، ويستغرق المشي المباح في طلب الرزق ،ـ وهو ما قَدْ نُصَّ عليه في هذا الموضع ، وذلك إن أُبِيحَ فبالنظر في الآحاد وإلا فهو واجب بالنظر في المجموع على وجع تندفع به الحاجة بضروري القوت وما يقيم الأود ويحفظ البدن من المخمصة ، ويحفظ الوجه من ذل المسألة ، وهو ما به الرَّدُّ على الجبرية ومن غلا في الطرق الرياضية فَصَيَّرَ التوكل تواكلا واحتج بالقدر على القعود والكسل حتى بلغت الحال أن صار ذلك حجةَ مَنْ قَعَدَ عن جهاد الصائل إذا دهم المحلة ولو عدوا من غير الملة قد جاء يستبيح البيضة فكانت مدافعته والمشي في مجاهدته كانت عند أولئك من الحال المذمومة فصاحبها يناجز قدر الله ، جل وعلا ، فلا يرضى به ! ، وذلك إنما يصح رضًى بالقدر إن بذل صاجبه السبب واستفرغ الجهد ، فَيَصْبِرُ وَاجِبًا وَيَرْضَى ندبا ، لا أن يَتَّخِذَ القدر ذريعة ألا يمتثل الفرض من الأخذ بالسبب ، فكان من الانحراف في تأويل القدر ما صَيَّرَهُ ذريعة القعود والكسل وإنما تدافع الأقدار الكونية بِنَظَائِرِهَا الشرعية ، لا أن تكون حجة تُسَوِّغُ هذه الحال الردية ، لا جرم احتفى كل مناجز للوحي أو مارق قد ابتلي الناس بولاية له أو رياسة ، احتفى بأولئك في كل عصر ومصر فَهُمْ مِْ أمضى أدواته في تَثْبِيطِ النفوس وَتَزْيِيفِ الفهوم .
فلا يخلو الأمر في قوله تعالى : (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) ، من دلالة الإباحة فهي أول ما يَتَبَادَرُ ولا يخلو ، مع ذلك ، من دلالة إيجاب إذ يؤمر به ليعف نفسه فلا يسأل ، فذلك واجب على كل قَادِرٍ على السعي والكسب ما لم يكن ثم معاش لا مَنَّةَ فيه إلا لذي الجلال والعزة ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، ككراء أرض أو عقار ...... إلخ ، ومن عجز فلا يلام بل لا مِنَّةَ لأحد عليه فوجب على الجمع أن يقوم بأمره ، فذلك مثل المؤمنين في كلام خاتم النبيين صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ يَعْنِي فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَحَابِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى شَيْءٌ مِنْهُ تَدَاعَى سَائِرُهُ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" ، وبعد المشي كان عطف اللازم أن : (كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ، فذلك آكد في تقرير المنة الربانية بِتَذْلِيلِ الأرض وَتَيْسِيرِ أسبابِ الرَّزْقِ ، وذكر الأكل كما المشي فهو يجري مجرى الغالب فلا حكم له ، وإنما ذكر مثالا لاشتهاره فلا يخصص به العام الذي يدخل في حده ، وهو ، أيضا ، مما احتمل الإيجاب بالنظر في مجموعه فيجب عليه من الأكل ما به يحفظ النفس ويقيم الأود ، فينهض بالتكليف فما لا يتم واجب التكليف إلا به فهو واجب ومنه قوة البدن أن يطيق أعباء الأمر والنهي ، ولا يخلو المفرد "رِزْقِهِ" إذ أضيف إلى الضمير ، ضمير الغائب ومرجعه الرب الخالق ، جل وعلا ، لا يخلو من دلالة العموم فهو يستغرق جميع المرزوقات من وجوه الكسب والمعاش .
وكان من بَيَانِ الجنس ما دلت عليه "من" ولا تخلو من التَّبْعِيضِ وابتداء الغاية من رزقه الذي أضيف إليه إضافة المخلوق إلى الخالق تشريفا ، من وجه ، وتقريرا للمنة من آخر ، فاستغرق عمومه جميع أجناسه ، فمنه رزق الكسب النمتبادر ، ومه رزق الفتح ، فذلك وصف صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لِيُعْبَدَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ رُمْحِي" ، فذلك ، أيضا ، من الجعل الذي حُذِفَ فاعله للعلم به ، بداهة ، فهو الرب الشارع ، جل وعلا ، فالجعل في هذا السياق يُحْمَلُ على جعل التشريع ، إذ الجهاد لا يخرج عن حد الفرض العيني أو الكفائي ، فكان من رزق المغنم ما حصلت به المنة فهو الأكل الحلال الطيب كما في الآي المحكم : (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فذلك رزق الجهاد المعجل وما ادخر فهو أعظم ، فالإخبار في الخبر : "وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ رُمْحِي" ، يجري مجرى الإنشاء إذ يحض على طلب الرزق بالفتح كما الأمر بالمشي والسعي في الأرض ، فهو من أجناسه بل هو أَشْرَفُهَا ، وهو ما يدخله التخصيص ، من وجه ، إذ لا يأمر ، جل وعلا ، بأكل الرزق المحرم شرعا وإن أُكِلَ فذلك إنما يجري بِقَضَائِهِ كَوْنًا ، وبعده كان العطف الذي به استيفاء القسمة ، فجعل الأرض ذلولا ميسرة ، وأمر بالمشي في مناكبها والأكل من أَرْزَاقِهَا ، فذلك ما يكون في الدنيا ، وإليه ، جل وعلا ، النشور في الآخرة ، وذلك ما قد حُدَّ حَدَّ القصر بتقديم ما حقه التأخير مئنة من الحصر والتوكيد في قوله تعالى : (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ، فإليه وحده لا لغيره ، إليه وحده انتهاءُ الغاية ، غاية النشور والرجوع لاستِيفَاءِ الحساب والجزاء إن خيرا فذلك الفضل وإن شَرًّا فذلك العدل ، فـ : "مَنْ وَجَدَ الْيَوْمَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ" .

والله أعلى وأعلم .




توقيع :الحكمي RSS موثق وكالة
yes موثق وكالات معتمد بالرياض - وثق وانت في منزلك
نأتيك اينما كنت في المنزل او مقر العمل
إتصل الآن: 0567663666





الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية ..


 







الساعة الآن 10:16 صباحا