منتدى الموثق فيصل الحكمي - موثق وكالة معتمد بالرياض




  • faisal.hakami من :مصر yes إهداء من إدارة منتدى الحكمي للتوثيق لـ فريق توثيق , على نشاطه ومواضيعه المتميزة في المنتدى, كل الشكر والتقديري وبإنتظار المزيد smile
    faisal.hakami من :السعودية - مدينة الرياض wink_3 توثيق الأعمال مع الحكمي أسهل واسررع - لا داعي لترك منزلك او مقر عملك من أجل التوثيق - سنذهب إليك اينما كنت داخل الرياض, نوثق لك وأنت في منزلك أو مقر عملك yes
    faisal.hakami من :مدينة الرياض yes موثق وكالات معتمد بالرياض - وثق وانت في منزلك - نأتيك اينما كنت - إتصل الآن: 0567663666 - أو سجل طلبك بالضغط هنا cool
    faisal.hakami من :مدينة الرياض cool yes تم افتتاح موقعنا الجديد (الحكمي للمحاماة والإستشارات القانونية) لطلب محامي في قضية او استشارة يرجى الضغط هنا smile cool
    اضافة إهداء
    (المعذره .. غير مسموح للزوار بإضافة الإهداءات, الرجاء التسجيل في المنتدى)


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتدى الموثق فيصل الحكمي - موثق وكالة معتمد بالرياض، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





الغل والبسط

ومن قوله تعالى : (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا ..



19-05-2020 07:18 صباحا
الحكمي RSS موثق وكالة
فريق انجزلي لخدمات الويب
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 15-06-2019
رقم العضوية : 172
المشاركات : 74951
الدولة : السعودية
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 210
موقعي : زيارة موقعي
 offline 

ومن قوله تعالى : (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) ، فكان من النهي ما استغرق إذ تسلط على المصدر الكامن في عامل الجعل ، وثم خطاب قد توجه ابتداء إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو مما اطرد في الوحي ، فدلالته القياسية : دلالةُ الخاص الذي يُرَادُ به العام ، فهو نص في المواجهة ، بالنظر في خطاب التكليف الأول فلا بد أن يصدر ، بداهةً ، إلى أول مأمور ، وثم آخر وهو خطاب التَّبْلِيغِ وَالتَّبْيِينِ لمن وراءه فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه ، أيضا ، يقدم ، فهو أول هذه الأمة في باب الإرشاد والبيان ، فتلك هداية النبوة ولوازمها ضرورةً : البلاغ للمبنى والبيان للمعنى على وجه تحصل به الرحمة جمالا وتنقطع به الحجة جلالا ، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أولٌ في هذا الخطاب بل هو به يَنْفَرِدُ بالنظر في خطاب البلاغ والبيان الأخص : خطاب النبوة فلا يشاركه فيه أحد ، فتلك درجة لا تنال بالكسب ومباشرة السبب فَلَيْسَ إلا اصطفاء العليم الحكيم ، جل وعلا ، فهو أعلم حيث يجعل رسالته ، خلافا لخطاب بلاغ وبيان أعم فيشاركه فيه من بعده فلكلٍّ منه حظ بما حصل له من العلم ولو آية وذلك من لوزام العدالة والخيرية ، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ودعوة إلى الخير الذي يعم ، خير الصدق خبرا وخير العدل حكما .
ولا يخلو الخطاب في الآية أَنْ : ( لَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) ، لا يخلو من العموم المستغرق ، فذلك خطاب التكليف الأعم الذي يستغرق كل أحد ، فيجاوز المفرد إلى الجمع ، وضمير المذكر إلى نظيره المؤنث لِقَرِينَةِ مَا مِرَارًا قَدْ تَقَدَّمَ من العموم في خطاب التكليف ، فذلك الأصل الذي يجاوز فهو يستغرق المؤمن والكافر ، الموجود والمعدوم ، الحاضر والغائب ، فهو العموم الذي لا أعم منه فاستغرق كل محل صح تكليفه ، قُوَّةً أو فِعْلًا ، فكان من العموم ما يحسن في تَقْرِيرِ أصل جامع يجاوز النفقة إلى كل حال ، فالقصد والاعتدال يحسن في جميع الأقوال والأعمال ، الإرادات والمقالات والحركات ، فيدخل فيه ، لو تدبر الناظر ، ما حَدَثَ من المقالات العلمية فلا تخلو من مجاوزة للقصد إما بِالْغلِّ جفاء ، واضرب له التعطيل في الإلهيات مثلا ، وإما بالبسط كُلَّ البسطِ فذلك الغلو بالزيادة ، واضرب له التمثيل والتشبيه في الإلهيات آخر ، وَبَيْنَهُمَا القصد والاعتدال فالإثبات بلا تَشْبِيهٍ وَالتَّنْزِيهُ بلا تعطيل ، فإثبات المعنى المحكم وتفويض العلم بالكيف والماهية في الخارج فذلك من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله ، جل وعلا ، فلا يُكَلَّفُ به الخلق فذلك ما لا تطيق نفوسهم من التكليف ، فيدخل ، من وجه ، في عموم أصل آخر محكم ، فـ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فليس يسع العقل أن يدرك ماهية الرب ، جل وعلا ، ذاتا ووصفا ، وإن وَسِعَهُ أن يدرك المعنى المطلق الذي يجرده الذهن ، فهو مناط التكليف بالفقه والتدبر ، والإحصاء الذي يجاوز اللفظ إلى المعنى ، والتعبد به والتأله ، فثم صفات جلال فتكليفها الخشية ، وثم أخرى من الجمال فتكليفها المحبة ، فضلا عن الاقتداء فيما يجوز فيه الاقتداء ولو بالنظر في المعنى الأعم : الجنسِ المطلق الذي يجرده الذهن كالرحمة والكرم والعلم والحكمة ، فتلك صفات يحمد بها المخلوق والسعي في تحصيلها مما يؤجر صاحبه ويثاب إن ابتغى به وجه ذي الجلال والإكرام ، جل وعلا ، مع التفريق ، بداهة ، بين اتصاف الخالق ، جل وعلا ، بها ، واتصاف المخلوق في المقابل ، فَبَيْنَهُمَا حَدٌّ أَيُّ حَدٍّ في الحقيقة والماهية كما الحد بين الذات القدسية وسائر الذوات الأرضية ، فلا مثل له ، جل وعلا ، في حقائق الباب : الذات والأسماء والصفات والأفعال والأحكام ، وإن كان ثم اشتراك في المعنى المطلق الذي يجرده الذهن فذلك الجنس العام الذي لا يَسْتَبِينُ معنى إلا به ولا يلزم من إثباته خوض في ماهية أو حقيقة في الخارج فمحله الذهن مطلقا فلا وجود له في الخارج إلا مقيدا يَتْبَعُ الذات الموصوفة كمالا أو نقصا ، فلكلِّ ذات حظها إما كمالا يُحْمَدُ أو نَقْصًا يُذَمُّ ، والخالق ، جل وعلا ، بداهة ، أولى بكل حمد مطلق بما أثنى به على نفسه وَأَثْنَتْ به النبوة ، وذلك أصل في هذا الباب الجليل ، فالوحي هو مرجعه المحكم فلا يَثْبُتُ إلا بِتَوْقِيفٍ من الوحي المنزل ، وإن دل عليه العقل فالدليل المجمل الذي لا يَنْفَكُّ يفتقر إلى بَيَانِ الوحي المصدَّق ، بل ما صح فيه من قياس ، فالوحي قد دل عليه دلالة الإثبات ، فـ : (لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، فَلَهُ المثل الأعلى من كل وصف كمال مطلق لا يدخله النقص من وجه مما قد وصف به نفسه ووصفته النبوة كما تقدم .





وبهما ، الخشية والمحبة ، بهما يكون حد العبادة المحكم ، فهي كمال التأله بالجلال والجمال معا ، ولا يكون ذلك إلا أن يسلك المكلف جادة الوحي النازل ، إن خبرا أو إنشاء ، فذلك معنى جامع يستغرق جميع الحركات الإرادية ، ما بطن منها تصورا وإرادة ، وما ظهر قولا وعملا ، فتلك آيات الصدق في الخارج ، وهي ، أيضا ، مما يدخل في معنى الصدقة الجامع الذي يستغرق كل دليل يشهد شهادة العدل التي تُقْبَلُ ، وتلك شهادة تجاوز الفرد إلى الجمع ، فيكون من شهادة الأمة الخاتمة التي تحملت ما ختمت به الرسالة ، فهي شاهدة على الأول والآخر ، فشهادتها محكمة لا تُنْسَخُ ، عامة لا تخصص ، ولا يكون ذلك من التحزب أو التحكم ، فالشهادة على الأمم لا يختص بها جنس أو قَبِيلٌ ، بل ثم معنى جامع يستغرق كل شاهد ، فذلك معنى التقوى الذي به يُقَاسُ الخلق فهو معيار التكريم والتقديم دون نظر في لون أو جنس أو قبيل ، وهي شهادة تُقَيَّدُ بالشرط ، فلا تكون مطلقة تُنَالُ بالهوى والذوق ، فشرطها الخيرية ، وهي أمر ونهي وإيمان ، فتلك شرائط الخيرية التي بها تحصل العدالة فَتُقْبَلُ الشهادة ، شهادة الصدق على الناس جميعا ، فلا يكون ذلك إلا وثم سلوك لجادة العدل في القول والعمل ، ومنه ما تَقَدَّمَ من مقال الاسم والوصف ، وذلك من أشرف العلم إذ محله أشرف معلوم في الوجود ، فهو المعلوم الأول الذي كَمُلَ في الأزل ، ذاتا ووصفا ، ومنه صَدَرَ الخلقُ صدور المخلوق من الخالق الذي قَدَّرَ فَهَدَى ، فخلق تقديرا بالعلم والحكمة ، وخلق إيجادا بالمشيئة والقدرة ، فكان الخلق بالجمال والجلال ، جمال العلم وجلال المشيئة ، وكان التكوين بالكلمة النافذة ، فتلك الإرادة الكاملة التي بها الخلق والإيجاد ، فليس ذلك ما يكون بالاضطرار كما زعم من زعم من غلاة المعطلة في هذا الباب إذ جَرَّدُوا الخالق الأول ، جل وعلا ، من وصف كماله ، وَرَدُّوا الأمر إلى قِيَاسِ تَعْلِيلٍ فاسد ، فالعالم معلول قد حدث من العلة اضطرارا فلا تَعْقِلُ فهي علة فاعلة لا اختيار لها ولا مشيئة ، ولا علم لها إلا العلم المجمل ، ذرا لرمادٍ في عيون من يَعْقِلُ ، إذ قد جاوز مقالهم حدود العقل ، فلا يجري إلا مجرى الفرض ، فمن انتحله فهو متهم بالسفة والخلط أَنْ يَرُدَّ هذا العالم المحكم إلا فعل مضطر لا يعلم ، فهو كالنار إذ تحرق بلا إرادة ولا علم ، فكان من الجفاء في هذا الباب ما يجري مجرى الغل آنف الذكر ، فهو مثال لمعنى أعم يستغرق كل جفاء إن في العلم أو في العمل ، إن في الفكرة أو في الحركة ، إن في الكسب أو في النفقة ...... إلخ ، فكان من الجفاء في الإلهيات تعطيلٌ يُذَمُّ ، وكان الغلو ، في المقابل ، فهو البسط كلُّ البسطِ فصاحبه يجاوز الحد المشروع في الإثبات ، فَيَزِيدُ في هذا الباب ، فيسلك جادة التكييف أو التشبيه أو التمثيل ، وكلها مما يُذَمُّ وَيَحْرُمُ ، فذلك من الظن والتخرص والقول على الوحي بلا علم دعوى يكذبها شاهد النقل والعقل الذي يَقْضِي ضرورة بالتفريق بين المختلفات ، وأعظم اثنين يختلفان ، بداهة ، هما المخلوق والخالق ، جل وعلا ، فكما يميزهما العقل بالحد ، فهو من ضرورة العلم والحكم ، فكذا يميزهما في الاسم والوصف والفعل والحكم ، فلا يكون ثم تشابه في الحقيقة لا ذاتا ولا ما يقوم بها من الاسم والوصف والفعل والحكم وإن كان ثم اشتراك في المعنى الجامع الذي يجرده الذهن النابه ، فكان من التوسط والاعتدال في هذا الباب ما به شهادة الأمة الخاتمة على الجفاة في الإلهيات كيهود ومن سلك جادتهم من أرباب المقالات المحدثة ، وكذا شهادتها على الغلاة كالنصارى الذين الْتَزَمُوا الحلول والاتحاد ، إن ذَاتًا أو وَصْفًا ، على خلاف بينهم لا يجاوز حد الباطل ، فهو مما يَتَفَاوَتُ ، فَثَمَّ باطل وأبطل ، وكلاهما مما لا يُعْقَلُ إلا فَرْضًا يَتَنَزَّلُ صاحبه في الجدال مع خصمه ، وذلك ما تحملته المقالات المحدثة في التشبيه والتمثيل ، وهو ما قد جاوز المقالات الدينية إلى أخرى فلسفية محدثة قد غلت في الإنسان المخلوق فَأَنْزَلَتْهُ منزلة الإله المشرِّع ، فلا يخلو ذلك من تشبيه وتعطيل يَقْتَرِنَانِ ، فَتَعْطِيلٌ للإله الحق ، جل وعلا ، من وصفٍ من أخص أوصافه ، فهو آية تشهد على معنى الألوهية ، فلا تكون إلا بِشَرْعٍ يَنْفُذُ ، فالإله هو مَنْ يُشَرِّعُ وَيُلْزِمُ مَنْ تحته بحكمه ، فذلك معنى يجرده الذهن ، وتحته لا تخرج القسمة عن اثنين : الإله الحق الذي يشرع بالعلم ويحكم بالعدل فَتَقَدَّمَ له من العلم الأول المحيط ما استغرق كافة المقادير ، فَعَلِمَ ما يُصْلِحُ الخلقَ فهو مَنْ ذَرَأَهُمْ في الأرض ، وذلك من قياس العقل المحكم الذي أَلْزَمَ به الوحي خصومه ، فكان الاستفهام الذي يُنْكِرُ وَيُوَبِّخُ المخالِفَ ولا يخلو من دلالة التقرير إذ دخل على النفي فَأَفَادَ الإثبات في قوله تعالى : (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ، وفي مقابله آلهة الباطل المحدثة فهي كثير إذ لا تَزَالُ تحدث في كل جيل ، فيكون من الطاغوت حسا أو معنى مَنْ يُنَازِعُ الإله الحق ، جل وعلا ، وصفَه ، فَيَضَعُ من الشرع والحكم ما يواطئ هواه أو ذوقه ، وإن كان من أعظم الظلم ، فلا يصدر إلا عن وصف الفقر ، فَثَمَّ مخلوق قَدْ جُبِلَ على الشح ، فَأَنَّى له أن يحكم شرعا أو يعدل خصما ، بل لا يكون إلا ظالما باغيا بما رُكِزَ في فطرته فلا يُقَوِّمُ معوجها وَيُبْطِلُ طغيانها إلا أن تخضع لحكومة من خارجها قد بَرِئَتْ من تهمة الفقر والشح والجهل ، فتلك حكومة الوحي المنزل مرجعا من خارج العقل يُسَدِّدُ ، وبه يمتاز الخالق ، جل وعلا ، من المخلوق ، فَتَنْقَطِعُ حجة المشبِّهَةِ والممثِّلَةِ في هذا الباب ، وهو ، كما تقدم ، مما جاوز المقال الأول الذي اشتغل بالذات والوصف فجاء مقال آخر محدث لم يخرج في أصل النشأة والمرجع عن أصل التشبيه الأول : الجفاء في حق الخالق ، جل وعلا ، والإعجاب بالرأي وتقديم القياس المتشابه في مواضع لا يَبْلُغُهَا العقل بما رُكِزَ فيه من قوة النظر والفكر فَلَهَا حَدٌّ لا تجاوزه ، والحكمة أَنْ تُوضَعَ في الموضع الذي يليق فلا تكلف من النظر ما لا تطيق أَنْ تُفَتِّشَ في الغيب الذي حُجِبَ عَنْهَا فهو مناط الابتلاء بالتصديق ، كما الشرع مناط الابتلاء بالامتثال ، وبهما جميعا يكون الحد الجامع المحكم لجنس العبادة والتأله الذي لا يصلح الخلق إلا به ، وهو ، كما تقدم ، آية العدالة في الشهادة ، فلا يشهد إلا العبد الكامل الذي آمن بالصدق وحكم بالعدل ، فحكومته تَبَعٌ لحكومة الشرع فلا يخرج عن نَصِّهِ فيما لم يُعْقَلْ وجهُه من مواضع التعبد ، ولا يجاوز حدَّه في القياس المحكم فلا يَسْتَنْبِطُ من وجوه التَّعْلِيلِ في معقول المعنى ما به يُبْطِلُ أَصْلَ الحكومة الرسالية المنزَّلَةِ ، فهو يجتهد في إثبات الخبر إن كان إسناده مما يحتمل فلم يكن من المتواتر الذي يُقْبَلُ ضرورة لا تفتقر إلى النظر أو الاستدلال ، فَيَنْظُرُ في الإسناد نَظَرَ المحقِّقِ الذي يجمع طرق الباب وَيَتَحَرَّى أحوال الرجال فَيَسْتَبِينُ الصحيح من الضعيف ، ويحسن يميزُ حالَ التَّرْجِيحِ ، وهو ، مع ذلك ، يجتهد في درك المعنى أَنْ يُحَرِّرَ العلة فِيمَا يَعْقِلُ ، فَيَقِيسَ الفرع على الأصل وَيُلْحِقَ الجديد بالقديم إلحاقَ العدل فلا يجاوز الحد ، فذلك ، أيضا ، مما قد غَلَتْ فيه عقول فَجَفَتْ في القياس المحكم وأبطلت ، ولو بلازم القول ، حكمة الشرع في التعليل ، وهي حكمة تجاوز فمنها ما يكون في التكوين النافذ ومنها ما يكون في التشريع العادل ، ومنه ما قد جاوز الحد فصاحبه قد بسط الباب كُلَّ البسط ، فجفا في النقل وغلا في العقل ، وذلك ، أيضا ، جنس عام يستغرق ، فَثَمَّ من غلا في دلالة العقل في الإلهيات فَقَاسَ الغائب على الشاهد ، وهو قياس مع الفارق ، وهو ، مع ذلك ، مما قد فسد اعتباره إذ خالف عن النص والإجماع أن ليس ثم مثل لخالق الأرض والسماء ، جل وعلا ، لا في الذات ولا في الاسم ولا في الوصف ولا في الفعل ولا في الحكم ، وإن كان ثم اشْتِرَاكٌ فَفِي المعنى المطلق الذي يجرده الذهن ، وثم من غلا في دلالة العقل في الشرعيات ، إن في استنباط العلل ، بل وثم من جاوز فَعَطَّلَ مرجع الوحي النازل واستبدل به ما وَجَدَ من الهوى والذوق فجعله المحكم الذي يُرَدُّ إِلَيْهِ ما تَشَابَهَ من الوحي ، وقل مثله في تأويل الوقائع ، فالتاريخ واحد لا يَتَغَيَّرُ ، وإنما التأويل يَتَفَاوَتُ ، وهو ، كما يقول بعض المحققين ، محل اجتهاد يصيب ويخطئ ولو سلك صاحبه جادة المعيار المحكم فلا يخلو من خَطَإٍ في التأويل .
واضرب له المثل بالمنهاج الذي يْعْلِي من قيمة الحرية فإنه يَنْتَصِرُ في تأويله لِلْفَرْدِ ولو أُهْدِرَتْ لأجله مصلحة الجمع ، وثم آخر جدلي يجعل الخارج هو الحكم فهو الحتمية والجبر الذي يقهر الفرد فلا يطيق مدافعته ، ويكون الحق كَثِيرًا يَتَعَدَّدُ فَلَيْسَ ثم معيار محكم ! ، بل الفرد في كل جيل ، كما يقول بعض المحققين ، هو على الجادة إن استسلم للحتمية التاريخية فليس يمدح إن ناجز الواقع ورام تغييره فانبعثت الهمة من مرجع واحد محكم لا يتبدل ، فلم يكن ثم اضطراب في المعيار يُرَدُّ فيه الحق إلى مراجع تَتَبَدَّلُ فهي من الكوائن التي تَعْرِضُ وَتَزُولُ ، فلا تثبت على حال وذلك بداهة ما به يضطرب الحكم وَيَنْتَقِضُ ، فلا يمدح الإنسان بالعفة إلا إن كانت في زمن العفة فإذا تَبَدَّلَتِ الأحوال في الخارج ، وصار الفجور هو الذائع فلا يمدح صاحب العفة بل يُذَمُّ فَعُرْفُ زمانه الفجور ، والاستسلام لحتمية التاريخ الذي نقل المجتمع من العفة إلى الفجور ، ذلك الاستسلام هو ما يحمد به الإنسان أَنْ يُسْلَبَ الإرادة والاختيار والقدرة على النَّقْدِ والتقويم ومدافعة الواقع بما يواطئ المعيار المحكم الثابت ، لا أن يسلك جادة الاضطراب والتناقض ، فما كان حسنا في جيل فهو قبيح في آخر ، وليس ثم معيار محكم ، فَالتَّبَدُّلُ يحمل عنوان التطور ، وهو عنوان خَدَّاعٌ يَجْذِبُ ، وهو ما ذلك يغش ويكذِب ، وهو ، لو تدبر الناظر ، ذريعة التلاعب بالأديان والأحكام ، فكان الغل في طرف ، والبسط في آخر ، فثم منهاج يأرز إلى الفرد وإن أهدر مصلحة الجمع ، وثم آخر على ضده فهو يأرز إلى الجمع وإن أهدر مصلحة الفرد ، فهو يقمع ويقهر ، والذريعة أن ذلك مما يَعُمُّ نفعه ، وليس ، كما يقول بعض المحققين ، إلا نَفْعَ الخاصة التي تَتَذَرَّعُ بالمصلحة العامة أَنْ تُرَسِّخَ حكومتَها ، ولو بَغْيًا بِغَيْرِ حَقٍّ ، وكلاهما ، لو تدبر الناظر ، يأرز إلى مرجع محدَث ، فليس ثم مرجع من خارج العقل والنفس يَنْفِي الْهَوَى والذوق ، فهو يحكم بالعدل ، وذلك ما به تأويل الوقائع بلا زيادةٍ ولا نَقْصٍ ، فلا يكون الإفراط في مُثُلِ الروحِ فَيَتَحَوَّلَ التاريخ إلى معان مجردة في الذهن لا وجود لها في الخارج ، فتلك جادةُ رهبانيةٍ غالية ، وضدها ما يكون من تأويل يستند إلى الحس فَيَنْحَطُّ بالإنسان إلى دَرَكَةِ الحيوان ، بل والطين الميت كما اقترح منهاج الجدل ، وبينهما ، لو تدبر الناظر ، معيار الوحي فهو العدل والقسط الذي بَرِئَ مِنْ وصمة النقص والجهل ، فلا غرض له أن يُؤَوِّلَ الوقائع بما يواطئ حظوظه وأهواءه ، وإنما يروم العدل والنفع ، نفع الخلق فضلا لا يروم أجرا ، فـ : (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) ، فذلك نفي قد أفاد عموما من وجوه ، فَثَمَّ نَفْيٌ قد تسلط على المصدر الكامن في العامل ، عامل الإرادة ، وكذا قد تَسَلَّطَ النَّفْيُ على النكرة "رزق" ، فذلك نص في الباب ، كما قَرَّرَ أهل الأصول والبيان ، فاستغرق كُلَّ رِزْقٍ إن في الحس أو في المعنى ، فلا يريد منهم المطعم أو المشرب أو الثَّنَاءَ والحمد ، فَعَمَّ ثُمَّ خَصَّ ، فلا يريد منهم رِزْقًا ، أَيَّ رِزْقٍ ، وهو ما قد زِيدَ في مَبْنَاهُ "مِنْ" فأفادت في هذا الموضع التَّنْصِيصَ على العموم فَصَارَ نَصًّا في الباب يَقْطَعُ ، لا ظاهرا كما دلالة العام في المبدأ فَهُوَ من الظن الراجح الذي لا يخلو من احتمال جائز ، فزيدت "مِنْ" فَنَفَتِ الاحتمال وَارْتَقَتْ بالعام من الظني إلى القطعي ، فَثَمَّ عموم هو نص ، فهو من العموم المحفوظ فلا يدخله التخصيص من وجه ، فَعَمَّ الرزق كله ، حسا ومعنى ، ومنه الثناء والمدح ، فهو رزق العبادة والشكر ، فلو جحده الخلق كلهم ما ضر ذلك ربهم ، جل وعلا ، فـ : (قَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) ، ثُمَّ كَانَ النص على الإطعام خاصا بعد عام فهو ، من وجه ، يجري مجرى المثال الذي يُبِينُ عَنْ جِنْسِ الرزق ، فذكر المحسوس من الإطعام إذ به تحصل الصورة في الأذهان فهو نص في وصف به تستبين الحاجة والفقر إلى سبب من خارج الذات يحفظها ، وذلك ، بداهة ، ما يقدح في وصف الغنى ، وإن بَلَغَ صاحبه كُلَّ مَبْلَغٍ ، فلا ينفك يفتقر إلى طعمة أو شربة بها يحفظ مهجته أَنْ تَتْلَفَ ، فأطنب بِنَفْيٍ ثان : (وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) ، ولم يخل السياق من التكرار ، تِكْرَارِ النَّفْيِ ، أداة ومدخولا ، "ما أريد" ، فضلا عن زيادة مبنى من "أن" وما دخلت عليه من العامل المضارع "يُطْعِمُونِ" ، فهما في تأويل المصدر وهو الإطعام فلا أريد منهم الرزق عاما ولا الإطعام خاصا ، وذلك ما استغرق بدلالة المضارع ، اسْتَغْرَقَ الحالَ والاستقبالً جميعا ، لا سيما وقد باشرته "أن" ، وعموم المعنى ، لو تدبر الناظر ، يستغرق جميع أجزاء الزمان في الماضي والحاضر والمستقبل فذلك وصف الغنى المطلق الذي اتصف به الرب ، جل وعلا ، أزلا وأبدا ، فدخل ، من هذا الوجه ، في حد اسمه الأول والآخر ، وهو ، جل وعلا ، بَيْنَهُمَا الكامل الذي لا يَعْرِضُ له النَّقْصُ ، ولو احتمالا ، فذلك المعنى الذي انفرد به الرب ، جل وعلا ، معنى الغنى المطلق ، وإن جَازَتِ الشَّرِكَةُ في الذهن ، فَهِيَ تَقْتَصِرُ على جِنْسِ الغنى الذي يجرده العقل ، فهو جنس أعلى تحته أنواع ، فمنها غنى المخلوق الأدنى فهو مُقَيَّدٌ لا يَنْفَكُّ ، كما تقدم ، يُسْبَقُ بالعدمِ وَيُلْحَقُ بالفناءِ وَيَتَخَلَّلُهُ مِنْ عَارِضِ النقص ما يَنْفِي عنه إطلاق الوصف ، ومنه غِنَى الخالق ، جل وعلا ، فهو الغنى المطلق الذي لا يفتقر صاحبه أبدا ، فهو غني عن الأسباب ، الغنى المطلق الذي انفرد به فلا شَرِكَةَ فِيهِ تَثْبُتُ ، وإن ثَبَتَتْ ففي المعنى المطلق الذي يجرده الذهن ، فاسم الغني قد يُوصَفُ به البشر ، ولكنه ، كما تقدم ، غنى لا يُطْلَقُ فَيَسْتَغْرِق وجوه المعنى ، فالفقر قد تَقَدَّمَهُ ، والفناء سَيَلْحَقُهُ ، ولا يخلو مِنْ عَوَارِضِ النقص فلا غنى يكمل إلا غنى الرب الأعز الأكرم ، جل وعلا ، وهو غني عن ثَنَاءٍ الخلق ، فهو المحمود بالذات والوصف أولا وآخرا ، فَثَبَتَ له الحمد بالوصف الجميل ، كما قد ثَبَتَ له المجد بالوصف الجليل ، فهو ، تبارك وتعالى ، الحميد المجيد ، وإن كَفَرَ أهلُ الأرض كلهم بل وَاجْتَرَأَ سَفِيهُهُمْ فَسَبَّهُ وَنَسَبَ إليه النقص من الصاحبة والولد والحاجة والفقر ...... إلخ ، فذلك من الشطط الذي يخالف عن جادة العدل ، وذلك ، أيضا ، من الغل الذي يقصر بصاحبه عن الحق ، فذلك جفاء في حق الخالق ، جل وعلا ، لا ينفك ، ولو على حد التلازم ، أن يصاحبه الْبَسْطُ كلُّ البسط غلوا في المخلوق المحدث ، كما صنعت النصارى فإنهم لما بسطوا لسان الإطراء في المسيح عليه السلام الْتَزَمُوا لأجله ما يخالف عن النَّقْلِ وَالْعَقْلِ والفطرة والحس وكل معيار في النظر يَصِحُّ ، فَنَسَبُوا النَّقْصَ إلى الخالق ، جل وعلا ، جفاء وغلًّا .
وذلك أصل يطرد في كل حكومة إن في العلم أو في العمل ، إن في الشريعة أو في السياسة ، فَمَنْ غَلَّ يَدَهُ فَلَمْ يَبْسُطْهَا إذ يحسن البسط فهو لُزُومًا يَبْسُطُهَا في موضع لا يَلِيقُ بِهِ البسط ، فَحَدُّ العدلِ يَفُوتُهُ إِنْ نَقْصًا فهو جَافٍ أو زيادة فهو غَالٍ ، وقل مثله في يهود فإنهم لما جفوا في حق الخالق ، جل وعلا ، فَنَسَبُوا إليه النقص مِنْ غل اليد والفقر واللغوب والنصب والجهل بالعاقبة فقد خَلَقَ الإنسان وهو لا يعلم ما يصنع ، فَلَمَّا قَارَفَ الإنسان العصيان بَكَى الخالق وَتَنَدَّمَ أَنْ خَلَقَ هَذَا الشرَّ ! ، فَلَمَّا غُلَّتْ أيديهم فقصروا عن جادة العدل في هذا الباب أن يصفوا الله ، جل وعلا ، بما وصف به نفسه ووصفته به الرسالات من مجامع المحامد التامة فلا نقص ، فلما جفوا في هذا الباب وَغَلُّوا ، زَادُوا في آخر وَغَلَوا فكان اتخاذهم الأحبار آلهة تشرع ، فقد حلت فيهم روح التشريع أمرا ونهيا فصار الأمر إليهم وصار السمع والطاعة حكرا عليهم ، وإن أمروا بالباطل ، فأحلوا ما حرم الخالق ، جل وعلا ، أو حرموا ما أحل ، فتلك عبادتهم ، كما في الأثر المشهور ، فلا يخلو قولهم ، ولو من باب اللازم ، من مواطئةٍ لقول النصارى وإن كانوا ، بادي الرأي ، على طرفي نقيض ، فكلاهما قد غلا في المخلوق ، وقال بالاتحاد والحلول ، وإن كان قول النصارى نصا في الباب قد اقْتَصَرَ على واحد وهو المسيح عليه السلام ، فاليهود قد الْتَزَمُوا ذلك فكان من حلول الروح التي تُشَرِّعُ فَتَأْمُرُ وَتَنْهَى ، فَحَلَّتْ في كثير لا واحد ، فَحَلَّتْ في جنس الحبر الذي فُتِنَ بالجاه والرياسة فكتم الحق وأضل الخلق ، ولم يَرْضَ أن يكون تَابِعًا للحق ، كما أُثِرَ عن كعب بن أسد سيد بني قريظة ، فما صَدَّهُ عن اتباع الوحي الخاتم إلا أنه لم يَطِبْ نَفْسًا أن يكون التابع المأمور بعد أن كان المتبوع الآمر الذي يَنْفُذُ حكمه في قومه ، وإن خالف عن التوراة ، فهي حكر على الأحبار ، فيكتمون منها ما شاءوا ويتأولون منها ما شاءوا لِتُوَاطِئَ حظوظهم أو حظوظ أصحاب الرياسة فيهم ، فكانت الجناية العظمى في الديانة والسياسة ، أَنْ تَصَدَّى لأمر الدين حَبْرٌ كاذب ، وتصدى لأمر السياسة حاكم جائر ، فَتَعَاضَدَا أَنْ يَصُدَّا عن الحق وَيُضِلَّا الخلق فَيَحْكُمَا بالباطل والجور حفظا لرياسة باطلة ، فهي من أعظم الصوارف عن الحق ، ولأجلها نَاجَزَ مَنْ ناجز من خصوم الرسالات ، ناجزوها فمنهم مَنْ صَرَّحَ بالعداوة فلم يُكَنِّ ومنهم من كَنَّى فَتَأَوَّلَ ، فَبَدَّلَ من الكتاب ما بَدَّلَ ، وَحَرَّفَ من معناه ما حَرَّفَ ، واجتهد أَنْ يُخَرِّجَ حكمه الجائر على سنن الوحي العادل ، فَرَامَ الجمع بين اثنين وصفهما التناقض فلا يجتمعان ولا يرتفعان ، فإما الوحي ناموسا يعدل ، وإما الوضع طاغوتا يظلم قد جاوز به التابع حده في مَتْبُوعٍ محدَثٍ من الخلق قد طَغَى فَتَأَلَّهَ وجعل إليه الشرع أمرا ونهيا ، كما قد جاوزت اليهود والنصارى في الأحبار والرهبان ، فكلاهما ، وإن كانا على طرفي نقيض في المسيح عليه السلام ، فمنهم مَنْ غَلَّ يده فنسبه إلى أفحش وصف ، ومنهم من بسط كُلَّ البسط فَغَلَا فيه وفي أمه البتول ، عليهما السلام ، فجاء الوحي الخاتم يسلك جادة العدل فهو الرسول وهي الصديقة ، وهما ، مع ذلك ، لم يجاوزا وصف الخليقة ، فـ : (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) ، فَلَئِنْ كَانَا على طَرَفَيْ نَقِيضٍ في الغل والبسط في حق المسيح وأمه البتول عليهما السلام ، إلا أنهما في باب الشرع والحكم على حد سواء ، فكلاهما قد غَلَّ في حق الخالق ، جل وعلا ، بما عطل من رسالاته وحكوماته التي أَنْزَلَهَا وحيا ، وبسط في حق المخلوق ، من الحبر والراهب ، بسط كُلَّ البسط فاتخذه إلها يشرع وطاغوتا يحكم قد جاوز به التابعُ الحَدَّ في باب الطاعة والاتباع ، وهما ، لو تدبر الناظر ، معدن العبادة ، وإن أنكر العابد كما أنكر عدي بن حاتم ، بادي الرأي ، إذ قَصَرَ العبادة على الشعائر الظاهرة من سجود وركوع ، فلما رُوجِعَ أَقَرَّ ، فقد اتخذهم الأتباعُ مراجعَ للأحكام مع ما قد قام بهم من الفقر والجهل وما ابتغوا من حظ النفس في الجاه والرياسة ، ولو استبدلوا الذي هو أدنى من أهوائهم المتشابهة بالذي هو خير من وحي النبوات المحكمة ، فخالفوا عن قياس العقل المحكم إذ يوجب رَدَّ ما تشابه من حكوماتهم الجائرة إلى ما قد أُحْكِمَ من شرعة الوحي العادلة ، فهي جادة العدل ، فلا غل ولا بسط كل البسطِ يحكي الزيادة والطغيان .

وكذا يقال في مسائل التهذيب والرياضة ، فَثَمَّ من غَلَّ فلم يتعاهد نفسه بالإصلاح ولم يباشر من الزهد وصالح الأحوال ما به إلجام الشهوات بِحَكَمَةِ العدلِ فلا يبسط الأمر كل البسط ، فَيَغْلُوَ في الرياضة والزهد ويعطل ما قد رُكِّبَ فيه من الْغَرَائِزِ أَنْ يَضَعَهَا حيث أَمَرَ الوحيُ لتكون عمارة الأرض بالكسب والزرع وما يَنْفَعُ الناس مِنْ طَيِّبِ المآكل والمشارب والمناكح وَطَيِّبِ الرزق والنفقة ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، مما يدخل ، أيضا ، في حد الصدقة ، ولو نفقة مباحة ، فلا ينفك صاحبها يجرد القصد ، قصد الاعتقاد الذي لا يغلو فَيُحَرِّمَ ما طاب من الأرزاق ، ولا يجفو في مقابله فيتوسع في المباح فضولا يكره فهو ذريعة الولوج فيما يحرم ، فالتوسع في المباح على وجه يَسْتَغْرِقُ زَمَنَ التكليف فَيَصِيرُ هو الأصل لا استثناء به التَّرَفُّهُ والاستجمام ، ذلك التوسع ما يُكْرَهُ بل قد يحرم إن غلب على الظن أنه يفضي بصاحبه إلى المحرم ، فيكون النهي عنه سدا للذريعة ، فهو نهي عن وسائل تُفْضِي إلى ما قد حَرُمَ من المقاصد ، فما لا يتم تَرْكُ المحرم إلا بِتَرْكِهِ ، فَلَهُ حكم المحرم فوجب تَرْكُهُ على حد الاقتضاء لا التخيير وإن كان في الأصل مباحا يُخَيَّرُ المكلف فيه بين الفعل والترك .
فالمعنى ، لو تدبر الناظر ، قد استغرق كل حركة ، إن في الجنان عقدا أو مقالا ، فالعدل فِيهَا وسط بين التعطيل والتمثيل ، فلا غل ولا بسط يجاوز الحد الواجب من إثبات المعاني والكف عن الماهيات والحقائق في الخارج ، أو في اللسان قولا أو في الأركان فِعْلًا وَتَرْكًا أو في الشرائع أمرا ونهيا ، فذلك عنوان الشهادة ، شهادة العدل فهو الوسط الذي يسلك الجادة المثلى ، فَتَوَجَّهَ الخطاب بها أولا إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وتلك ، كما تقدم ، دلالة الضمير المخاطب الذي استكن في عامله إيجابا ، عامل الجعل في قول الرب جل وعلا : (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) ، فذلك خطاب قد نَابَ فيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن أُمَّتِهِ فَهِيَ لَهُ تَبَعٌ في الأمر والنهي إلا ما قد خالف عن الأصل فهو مما يفتقر إلى الدليل فَيَجْرِي مَجْرَى الاستثناء فتلك دعوى لا بد لها من شاهد يوجب الانتقال عن الأصل الذي يُسْتَصْحَبُ ، أصل العموم في خطاب التكليف ، فيجري ذلك مجرى البراءة الأصلية من أي زيادة في المعنى المتبادر الذي قد عُلِمَ باستقراء الأحكام والشرائع ، فإذا اشتغلت الذمة بدليل ناقل يدل على الاختصاص إن بالزيادة أو بالنقص ، إن بالعزيمة جلالا أو بالرخصة جمالا ، سواء أكان مناطه عين المخاطب أم جنسه فيجري مجرى العام المخصوص بصورة السبب وهي ما يجاوز عين السبب الأول فيدخل فيها من يُشَارِكُهُ المعنى ، خلافا للعام المخصوص بعين السبب فتلك الخاصة الأخص فلا تجاوز الأصل ، وكل أولئك ، كما تقدم ، مما يفتقر إلى الدليل فهو خلاف الأصل في أحكام التَّنْزِيلِ ، فهي عامة تستغرق كل مخاطب إن بالفعل أو بالقوة ، فلا تقتصر على صاحب النبوة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولا تقتصر على الجمع المخاطب زَمَنَ التَّنْزِيلِ ، وإنما تجاوز إلى كل أحد قد صَحَّ تكليفه بالوحي ، فهو الرحمة التي تعم العالمين جميعا ، وتلك خاصة الوحي الخاتم فامتاز بها من بقية الرسالات ، فثم معنى يؤول إليه النهي أن : لا تجعلوا أيديكم مغلولةً ..... إلخ ، فَثَمَّ جمع يتناوله خطاب التكليف ، ولا يخلو النهي من دلالة أصلية تُسْتَصْحَبُ أيضا حتى يَرِدَ دليل ناقل ، فالأصل في النهي التحريم ، وهو ما يَتَبَادَرُ في هذا السياق إذ غَلُّ اليدِ أو بَسْطُهَا كُلَّ البسط مما يحرم فهو يخالف عن جادة العدل الذي أمر به الرب ، جل وعلا ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) ، فالمخالفة عن الأمر تحرم كما المخالفة عن النهي تحرم ، وإن كان الأول تَرْكًا للمأمور ، والثاني مقارفة للمحظور ، ولا ينفك ذلك يتلازم ، فإن مُقَارِفَ المحرَّمِ لا محالة مُفَارِقٌ للواجب ، فما تلبس بالمحظور إلا وقد ترك ما يقابله من المأمور ، فما ظلم إن جفاء أو غُلُوًّا ، فَغَلَّ يده أو بسطها كل البسط ، فَهُوَ في كلتا الحالين قد خالف عن الحق ، فكان الظلم الذي لا يحصل في الخارج إلا وقد خالف صاحبه عن جادة العدل ، فذلك وجه التلازم ، فلا يقارف الظلم إلا وقد تَرَكَ ما يضاهيه من العدل ، فالمحل لا يشتغل بهما جميعا إذا اتحدت الجهة والزمان ، فإما العدل وإما الظلم ، فهما أصلان في كل فكرة وحركة ونفقة ..... إلخ ، وهما يجريان مجرى التناقض فلا يشغر المحل منهما جميعا إذ لا تخلو حال من وصف العدل أو الظلم ، إن في العقد أو في الشرع ، إن في السلم أو في الحرب ، إن في الصفق أو في الكسب ، إن في الرياضة أو في الزهد ، فكان من طرفي الجادة ما يُذَمُّ وهو ما قَدْ نَهَى عنه الوحي في هذا الموضع ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أصل يجمع ، فلا يكاد يفوته حكم ، ولو فرعا في فقه ، فالأحكام جميعا تدور بين الظلم والعدل ، والظلم لا يخلو أن يكون إفراطا يَغْلُو أو تفريطا يجفو وجادة العدل بينهما أبدا ، فهي الحق المحكم الذي يعدل صاحبه فشهادته تقبل ، فَعَدَلَ في العقد توحيدا وَعَدَلَ في الحكم تشريعا ، وَامْتَثَلَ الكلمات صدقا في أخبارها وعدلا في أحكامها ، فاستغرق السياق طرفي الجادة جفاء أو غلوا ، فَنَهَى عنهما ولازم ذلك الأمر بضدهما أَنِ : اسلكوا جادة العدل فهي الخيار الوسط فلا زيادة ولا نقص .
ولا يخلو النهي ، من وجه ، أن يحتمل الكراهة بما يكون من فضول المباح الذي يُبْسَطُ وإن آل ، كما تقدم ، إلى المحرم ، فتلك خاصة النفس فلا تقنع ، فالنهي ، من هذا الوجه ، لا يقتصر على التحريم ، بل يدخل فيه المكروه إذ يفضي بصاحبه إلى المحرم ، فإن بَسْطَ اليد كل البسط في فضول المباح على وجه يصيره عادة فلا يكون استجماما في حالٍ تَطْرَأُ بَلْ قد جرى مجرى العادة والمسلك ! ، فذلك من المكروه الذي يفضي إلى المحرم إذ النفس تطلب فلا تقنع فإن أُمْلِيَ لَهَا لجام الهوى والشهوة فلا تَثْبُتُ عَلَى حَالٍ بل هي تطلب ، أَبَدًا ، الزيادةَ ، مباحة أو محظورة ، فلا يلجمها إلا حَكَمَةُ الوحي ، وهي حَكَمَةُ العدلِ وذلك ، كما تَقَدَّمَ مِرَارًا ، الوسط بين الغل والبسط كل البسط ، فكان النهي صدر الآية : (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) ، وهو ما استجمع المحرم والمكروه على التفصيل آنف الذكر ، وذلك مما قد يستأنس به من يجوز العموم في دلالة اللفظ المشترك على القول إن النهي مظنة الاشتراك بين المحرم والمكروه لا أنه نص في المحرم ، كما المشهور في الأصول ، فلا يدل على المكروه إلا بقرينة تُرَجِّحُ .
فذلك نهي يحسم مادة البخل والشح وَكُلَّ ما به النقص والمخالفة عن جادة العدل ، ولا يخلو ، كما يقول أهل الشأن ، لا يخلو من كناية ، فَغَلُّ اليد إلى العنق كناية عن المعنى وهو البخل والنقص ، فانتقل الذهن من اللازم وهو غَلُّ اليد إلى الملزوم وهو البخل ، ومن الكناية إلى الحقيقة على وجه يجوز فيه الجمع بينهما ، خلاف المجاز ، فلا يجوز فيه الجمع بين الاثنين ، الملزوم واللازم ، وكذا البسط الذي قُيِّدَ بالمصدر أو النائب "كُلَّ الْبَسْطِ" ، في الشطر الثاني من الآية : (وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) ، فلا يذم البسط بل ذلك في أحيان تكثر ، ذلك مما يمدح كَرَمًا وسخاء ، وثناء في موضعه الذي يلائم ، فثم نهي عن البسط كل البسط مجاوزة لحد العدل ، فتلك الزيادة في مقابل النقص صدر الآية ، فاستوفى السياق شطري القسمة ، جفاء بالغل وغلوا بالبسط ، وبعده كان النص عَلَى العلة في قول رب العزة جل وعلا : (فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) ، فالفاء نص في الباب ، باب السببية ، ولا يخلو القعود ، من وجه ، أن يُضَمَّنَ معنى الصيرورة في الوصف ، فلا تغل ولا تبسط فَتَصِيرَ ملوما في الوصف محسورا قد انقطعت بك السبل ، وهو ما قد أطلق ، فاستغرق ، كما يقول بعض المحققين ، فمآل صاحبه أن يصير ملوما عند الله ، جل وعلا ، وعند الناس ، وعند نفسه ، فالبخل من أفحش الأوصاف وأشدها استجلابا للذم والقدح .
ولا يخلو البسط وإن مَنْهِيًّا عنه في الآية أن يكون خيرا من الغل والإمساك فالفضائل ، كما يقول أهل الأخلاق ، لا يشترط فيها الوسط الرياضي الذي يصيب المنتصف ، بل تكون إلى طرف أقرب منها إلى ضده ، كما الكرم فهو إلى الإسراف أقرب منه إلى البخل ، وكما الشجاعة فهي إلى التهور أقرب منها إلى الجبن .

والله أعلى وأعلم .




توقيع :الحكمي RSS موثق وكالة
yes موثق وكالات معتمد بالرياض - وثق وانت في منزلك
نأتيك اينما كنت في المنزل او مقر العمل
إتصل الآن: 0567663666




المواضيع المتشابهه
عنوان الموضوع الكاتب الردود الزوار آخر رد
الغل والبسط الحكمي RSS موثق وكالة
0 4 الحكمي RSS موثق وكالة
صور.. طبيب الغلابة ببنى سويف منتحل صفته ليكشف على المرضى بـ15 جنيها الحكمي RSS موثق وكالة
0 25 الحكمي RSS موثق وكالة
جمال محمد على: "أحمل آمال أندية الغلابة فى اللجنة الخماسية والقادم صعب الحكمي RSS موثق وكالة
0 13 الحكمي RSS موثق وكالة
إدارة الغلاف الجوى الأمريكية: ارتفاع قياسى بدرجات الحرارة فى القطب الشمالى الحكمي RSS موثق وكالة
0 28 الحكمي RSS موثق وكالة
سالفتي مع الغليون الحكمي RSS موثق وكالة
0 16 الحكمي RSS موثق وكالة

الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية ..


 







الساعة الآن 08:53 صباحا