• faisal.hakami من :مصر yes إهداء من إدارة منتدى الحكمي للتوثيق لـ فريق توثيق , على نشاطه ومواضيعه المتميزة في المنتدى, كل الشكر والتقديري وبإنتظار المزيد smile
    faisal.hakami من :السعودية - مدينة الرياض wink_3 توثيق الأعمال مع الحكمي أسهل واسررع - لا داعي لترك منزلك او مقر عملك من أجل التوثيق - سنذهب إليك اينما كنت داخل الرياض, نوثق لك وأنت في منزلك أو مقر عملك yes
    faisal.hakami من :مدينة الرياض yes موثق وكالات معتمد بالرياض - وثق وانت في منزلك - نأتيك اينما كنت - إتصل الآن: 0567663666 - أو سجل طلبك بالضغط هنا cool
    faisal.hakami من :مدينة الرياض cool yes تم افتتاح موقعنا الجديد (الحكمي للمحاماة والإستشارات القانونية) لطلب محامي في قضية او استشارة يرجى الضغط هنا smile cool
    اضافة إهداء
    (المعذره .. غير مسموح للزوار بإضافة الإهداءات, الرجاء التسجيل في المنتدى)


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتدى الموثق فيصل الحكمي - موثق وكالة معتمد بالرياض، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





الإيمان والوجل

ومن قوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِم ..



24-10-2020 07:21 صباحا
الحكمي RSS موثق وكالة
فريق انجزلي لخدمات الويب
من مواضيع :الحكمي RSS موثق وكالة
...
...

...
...
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 15-06-2019
رقم العضوية : 172
المشاركات : 75980
الدولة : السعودية
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 210
موقعي : زيارة موقعي
 offline 

ومن




قوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) ، فَثَمَّ القصر مئنة من التوكيد والحصر ، وثم قصر آخر بتعريف الجزأين "المؤمنون" و "الذين" ، فالأول محلى بالأداة "أل" ، والثاني موصول وهو من المعارف القياسية في لسان العرب ولا يخلو كلاهما من دلالة تعليل ، إذ ثم وجه اشتقاق في عنوان الإيمان الذي حُدَّ حَدَّ الوصف المشبه ، وصف المؤمن ، فذلك حكم قد اشتق من مادة الإيمان ، وأنيط بآخر وهو المعنى الذي اشتقت منه الصلة ، صلة الموصول "الذين" ، وهو وَجَلُ القلبِ إِذَا ذُكِرَ الرب ، جل وعلا ، وذلك ما يجعل القصر ، من هذا الوجه ، قصرا إضافيا يفيد المبالغة ، فَثَمَّ من يؤمن وقلبه ، مع ذلك ، لا يوجل ، لا أن الخوف قد انْتَفَى من قلبه تماما ، فلا بد من حد أدنى به يصدق الإيمان ، ولو مطلقَ الإيمان الأول ، وما زَادَ فَهُوَ من الواجب الذي يبلغ به المؤمن حد الكمال الواجب ، وثم منه كمال مستحب فآثاره تظهر في الورع الذي يُفَارِقُ به الخائفُ الْوَجِلُ بَعْضَ الحلال خشيةَ أَنْ يُقَارِفَ مكروها أو محرما ، فيجري ذلك مجرى السد لذرائع الشر ، وهو ، ما يحسن فيه ، من وجه ، القصد والاعتدال فلا يكون التفريط في سد الذرائع المتوهمة أو البعيدة النادرة فلا حكم لها إذ النادر ، كما يقول أهل الشأن ، لا حكم له ، وإنما السد يحسن للذرائع المعتبرة ، ومنها ما به الكمال الواجب يحصل ، وذلك حتم لازم ليحصل من الإيمان معنى ينفع في نيل الوعيد الصادق أن لا عذاب ابتداء ، فذلك وعد الفضل من الإله الحق ، جل وعلا ، وهو متعلق الجمال ، وإلا فالخائف دون ذلك على وجه به التَّفْرِيطُ يَثْبُتُ ، ذلك الخائف وإن نَفَعَهُ هذا الخوف إلا أنه لا يَبْلُغُ بِهِ حَدَّ الوعدِ الكامل ، وعد النجاة ابتداء ، فلم يخرج من عهدة الوعيد ، وعيد العدل وهو مناط الجلال ، وذلك ، من وجه آخر ، لا يبلغ حد الوعيد المؤبد ، وعيد الكفران الأكبر ومنه نوع قد انْتَفَى به الخوف مطلقا من الجنان ، فَذَلِكَ مَا يَسْتَلْزِمُ آخر وهو انتفاء التعظيم والتوقير ، وهو ما يستلزم ثالثا وهو السخرية والتهكم ، ولو استخفافا يَلْطُفُ فصاحبه لا يصرح ، وذلك ما يستلزم رابعا وهو ما يظهر من القول والعمل ، فمن انْتَفَى الخوف من قلبه فهو يترك الواجب ويقارف المحرم بلا كَافٍّ يُرَهِّبُ ، ومرد ذلك ، لو تدبر الناظر ، إلى التصور الأول ، فَثَمَّ قصور في إحصاء الأسماء والصفات ، أسماء الجلال وصفاته ، فلو صح تصورها لحصل من الخوف ما يَزْجُرُ ، فحمل صاحبه ألا يقارف المحرم ، وهو ما يستوجب فعل الواجب بما جبلت عليه النفوس الحية الحساسة المتحركة بالإرادة ، إرادة التَّرْكِ سَلْبًا وَبِهَا تخلية المحل من المادة الضارة ، وإرادة الفعل وبها ، في المقابل ، تحلية المحل بالمادة النافعة ، فالنفس قد خُلِقَتْ لِتَفْعَلَ لَا لِتَتْرُكَ ، فَالتَّرْكُ مُرَادٌ لِغَيْرِهِ أَنْ يُخَلَّى المحل لِيُحَلَّى بالفعل ، لا أَنْ يَبْقَى شاغرا من كل وجه ، فلا بد من اشتغاله بمادة ، صَحَّتْ أو فَسَدَتْ ، نفعت أو ضَرَّتْ ، فإن لم يشغل بحق اشتغل بِضِدٍّ له من باطل ، فيكون من التصور في المقابل ، تصور الجمال في باب الإلهيات ، أسماء الجمال وصفاته ، وذلك باعث الرغبة في مقابل الرهبة ، وهو مادة الرجاء في مقابل الخوف ، وهو حَافِزُ الفعل في مقابل الترك ، فيكون من الوعد جمالٌ في الخبر وهو ما يحمل صاحبه أَنْ يُتْقِنَ العمل رجاءَ بلوغِ الغاية ، غاية الوعد الصادق ، كما أَنَّ ثَمَّ من الوعيد ما يحمل صاحبه أن يكف عن المحرم ، فذلك باعث الرهبة في مقابل الرغبة ، وهو مادة الخوف والوجل ، محل الشاهد ، في مقابل الرجاء ، وهو حافز التَّرْكِ في مقابل الفعل ، وهو ما يحمل صاحبه أن يُفَارِقَ المحرم فلا يُقَارِفُ خشيةً أَنْ يَنَالَهُ الوعيد الصادق ، فهو مادة العدل في الخبر في مقابل أخرى من الفضل فهي ، أيضا ، من خبر الصدق ، فذلك الجنس العام المستغرق ، جنس الخبر ، فهو كسائر المعاني الكلية التي يجردها الذهن ، فَثَمَّ معنى يَنْقَسِمُ في الخارج ، فمن الخبر خبر الإلهيات ، ومنه خبر النبوات ، ومنه خبر الغيبيات ، ومن الغيبات جنس آخر تحتَه ماضٍ وآخر يستقبل ، ومن المستقبل جنس ، أيضا ، تَحْتَهُ ما كان في هذه الدار من الأشراط وما بعدها من قيام الساعة ، وما كان في البرزخ ، وما يكون في أرض المنشَر والمحشَر ، وما بعده من الحساب والجزاء الأوفى ، ومنه ، محل الشاهد ، وهو وعد الفضل ووعيد العدل ، فكلاهما من خبر الصدق ، وكلاهما قسيمان لجنس أعلى هو الكمال الذي اسْتَغْرَقَ لازمهما من الرجاء وما يكون من رغبةٍ ، والخوفِ وما يكون من رَهْبَةٍ ، فذانك قَسِيمَانِ بهما اكتمال المعنى الجامع ، معنى الكمال المطلق ، فأحدهما ، أي الخوف والجمال ، يدل على نفسه أصالة ويدل على قَسِيمِهِ نِيَابَةً إذ لا يحصل معنى إيمان ينفع إلا وهما حاضران في المشهد ، فَثَمَّ تلازمٌ بَيْنَهُمَا في حد الإيمان الصحيح المجزئ ، ولو مطلق إيمان أول لَمَّا يستكملْ بَعْدُ الكمال الواجب ، فلا يخلو السياق من تلازم تَقَدَّمَ ، إن في الخبر ، فَذَكَرَ الخوف والوجل في هذا السياق ، ودل على آخر دلالةَ تَلَازُمٍ وهو الرجاء ، وثم من الخبر مادة إنشاء استعير لها الخبر أمرا ونهيا ، فَثَمَّ أَمْرٌ أَنْ : خَافُوا الله ، جل وعلا ، فالقلوب توجل إذا ذُكِرَ الذكر الحق فلم يكن ذكرا لا يجاوز لسان الذاكر فالذكر النَّافِعُ ما يُؤَثِّرُ في الجنان وَجَلًا وفي الأركان عملا ، وذلك معنى يجاوز حد الجنان فلا بد من قيد يَحْتَرِزُ من القنوط واليأس ، لِئَلَّا يَنْقَلِبَ إِلَى ضِدٍّ يغلو في الفجور ، واعتبر بمن قنط ويأس كيف أَفْرَطَ في العصيان فلا أمل إذ انقطع رجاؤه وساء ظنه بالله ، جل وعلا ، فَسَاءَ قَوْلُهُ وَعَمَلُهُ ، ولو أحسن الظنَّ لأحسنهما وذلك تلازم آخر في الدلالة فهو مما يطرد وينعكس ، ولا بد من دليل يصدق من القول والعمل في الخارج ، فيحصل من معنى الإيمان المجزئ مجموع مركب من أجزاءٍ : الاعتقاد والقول والعمل ، ولو مطلقا أول به ، كما تقدم ، الخروج من عهدة ضده من الكفر ، وإن لم يَبْلُغْ بَعْدُ الكمال الواجب ، فَثَمَّ ما يكون من معاني الخوف والرجاء الزائد فهي بواعث على تَرْكِ المنكرات تخليةً للمحل وفعل الخيرات تحليةً له حتى يَتَرَاكَمَ من المادة الإيمانية الشريفة ما به يبلغ صاحبه حد الكمال الواجب إذ استوفى ما يَعْدِلُهُ من أحكام الشريعة فَيَسْلَمَ من الوعيد ابتداء ، ويكون أهلا للوعد المطلق فَضْلًا مِنَ الرَّبِّ المنعِم ، جل وعلا ، وثم خَبَرٌ آخر يستفاد بما تقدم من دلالة التلازم ، فالمؤمن كما يَخَافُ وَيَوْجَلُ فهو يَرْجُو وَيَرْغَبُ ، ولازم الرجاء رَغْبَةٌ في الثواب وَحُسْنُ ظَنٍّ لا يبلغ بصاحبه حد الغرور ، وهو ما استعير ، من وجه ، لِلَازِمِهِ من الأمر أَنِ : ارْجُوا الله ، جل وعلا ، وَارْغَبُوا فِيمَا عنده من الأجر والثواب الجزيل بما وَعَدَ بِهِ على لسان المرسلين ، عليهم السلام ، فذلك وعد الصدق ، وذلك ما استوجب القيد ، أيضا ، قَيْدَ نَهْيٍ يلازمُ الأمر فَبِهِ الاحتراز مما تقدم من الغرور ، فلا تَغْتَرُّوا بالجمال والوعد فَتُفْرِطُوا في الرجاء فَيَنْقَلِبَ غرورا ، كما أَنَّ ثَمَّ نَهْيًا عن المبالغة في الخوف لئلا يقنط صاحبه وَيَيْأَسَ ، فاطرد الخبر وانعكس ، إن وعدا أو وعيدا ، واطردت لوازمه من الأمر والنهي ، أمرا بالواجب رجاءَ الثوابِ فالفاعل يَرْغَبُ فيما دلت عليه أسماء الجمال وأوصافه ، ونهيا عن المحرم خشيةَ العقاب فالتارك يرهب مما دلت عليه أسماء الجلال وأوصافه ، وذلك ما جرى ، كما تَقَدَّمَ ، مجرى الاستعارة ، استعارة خبر الوعد لإنشاء الحكم أمرا ، واستعارة خبر الوعيد لإنشاء الحكم نهيا ، وهو أمر يطرد في هذا الباب ، باب الوعد والوعيد ، فإن الوعد وهو مناط الجمال يستلزم ، بداهة ، الأمر بما يستجلبه ، كما الوعيد وهو مناط الجلال يستلزم ، بداهة ، النهي الذي يستدفعه ، فاطرد القياس وانعكس ، وهو شاهد به يستأنس من يجوز وقوع المجاز في اللسان والشرع ، ومن ينكره فإنه يجري كل أولئك مجرى المعهود المطرد في اللسان فضلا أن العقل يدل عليه ضرورة ، فَثَمَّ تَلَازُمٌ يَتَبَادَرُ فَمَنْ سَمِعَ وَعْدًا على فِعْلٍ فَإِنَّهُ يبادر ويمتثل الأمر فَيَفْعَلُ المأمور ، ومن سمع آخر من الوعيد على فِعْلٍ فإنه يبادر ويمتثل النهي فَيَتْرُكُ المحظور ، فلا حاجة أَنْ يَتَكَلَّفَ الناظر المجازَ بما دق من قَرَائِنِهِ وعلائقه التي لا يطيق دَرَكَهَا كُلُّ أَحَدٍ فَقَدِ استبان المعنى ، بادي الرأي ، فكان من الوعيد إن لم يكن ثَمَّ وَجَلٌ ، وهو ، أيضا ، جنس عام تَنْدَرِجُ تحته آحاد ، فَثَمَّ وعيدٌ إِنِ انْتَفَى مطلق الوجل فلا وجل ابتداء ! ، فذلك ما يستلزم انْتِفَاءَ الأصل ، أصل الإيمان المجزئ في حصول أدنى مادة إيمانية تجزئ في الخروج من عهدة الكفران الموجب للوعيد المطلق ، الوعيد المؤبد بالخلود في جهنم ، وثم وعيد ، في المقابل ، إن انْتَفَى الوجل المطلق ، فلا يلزم منه انتفاء مطلق الوجل ، فيكون من الوجل والخوف قدر يجزئ في حصول النجاة انتهاء ، وإن لم تحصل ابتداء ، ولو من باب الوعيد المؤقت الذي يجوز تَخَلُّفُهُ فضلا كما يجوز وقوعه عدلا ، وذلك وعيد الكبائر غير الناقضة لأصل الدين الجامع فهو يُقَارِفُهَا شهوة أو غفلة لا استباحة أو تهكما فذانك مما يَنْقُضَانِ أَيَّ عَقْدٍ إيماني ابتداء ولو لم يقارف صاحبهما الجناية فاستباحة المحرم بلا تَأْوِيلٍ أو عذر يجزئ من جَهْلِ صاحبِ باديةٍ بعيدة فهو بمعزل عما تَوَاتَرَ من أحكام الشريعة النازلة ، أو هو مِمَّنْ حدث عهده بإيمان أو نَشَأَ في دار تُغَايِرُ عن دار الإسلام والسنة فهي دار كفران وبدعة فلا يَتَوَاتَرُ فِيهَا بداهةً ما يَتَوَاتَرُ في الدور الإيمانية الجارية على سَنَنِ السنة فقد اشتهر من أعلامها وانعقد من أَلْوِيَتِهَا ما به استبانت حقائق الديانة اعتقادا وقولا وعملا فَلَا يُعْذَرُ فِيهَا بَدَاهَةً مَا يُعْذَرُ فِي دونها ، كما أن الأعصار تَخْتَلِفُ فَثَمَّ عصرٌ حديثُ عهدٍ بإيمان وسنة ، فالنبوة فيه ظاهرة بقولها وعملها وَرَايَتُهَا قد نُشِرَتْ فَعَمَّتْ بِبَرَكَتِهَا من وجه وعمت بحجتها من آخر وثم آخر تخفى فيه أعلام الديانة فيصير المتواتر الضروري مما يفتقر إلى استدلال ونظر وذلك من عموم البلوى وشؤم التعطيل للنبوات وما جاءت به من الحكومات ، فيكون ثَمَّ من العذر في هذا العصر الجافي عن النبوات يكون فيه ما يجري مجرى الضرورة التي تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا لِئَلَّا يستهين الخلق بأحكام الشرع ويستجيزوا الخروج عن جادتها فلا زيادة في العذر يُغَلِّبُ صاحبها عنوان الرجاء فينقلب إِرْجَاءً ولا نقص في المقابل يُحَجِّرُ الرحمة الواسعة في عُذْرِ مَنْ له وجه مِنْهُ يَعْتَبِرُ لا تَقْرِيرًا له على نقصه فلا تخلو حاله من تفريط فهو يخاطب بالتشريع فَيَتَعَلَّمُ منه ما يَرْفَعُ جهلَه وَيُقِيمُ أمرَه على جادة دِينٍ يجزئ .
والشاهد أن وعيد الكبائر غير الناقضة لأصل الديانة وعيد مؤقت ، فَصَاحِبُهُ بين الفضل والعدل ، فقد يمتنع ابتداء بما يكون من مَوَانِعِ نَفَاذٍ مع ما يَتَفَضَّلُ به ذو الجلال والإكرام ، وَإِنْ وَقَعَ فَذَلِكَ العدل المحقق ، وهو ، مع ذلك مُؤَقَّتٌ لا يَتَأَبَّدُ ، فَلَمْ يَفُتْهُ ، مع ذلك ، وعد آخر أَلَّا يَخلدَ مؤمن في النار ، وإن كان ناقص الإيمان ، فهو ، من وجه آخر ، لم يسلم من وعيد العدل ، أن يُؤْخَذَ بِمَا قَارَفَ من الجنايات ، جناية الباطن أَنْ نَقَصَ الخوف عن الحد الواجب وإن لم يُفْصِحْ صاحبه فإن عمله يبين عما استكن في جِنَانِهِ مِنْ نَقْصٍ ، فَلَوْ كَانَ ثَمَّ خوف ووجل تام ما قارف هذا العصيان ، ولو قَارَفَ فإنه لا يُعْصَمُ فَسُرْعَانَ مَا يَتُوبُ وَيَرْجِعُ بما يحصل من استحضار المراقبة الربانية التي بها الخوف والوجل المحمود يحسن ، فلا يزيد صاحبه في المقابل فينقلب يأسا وقنوطا فذلك الإفراط في مقابل التفريط ، إفراط الخوارج في مقابل تَفْرِيطِ المرجئة ، فقد زَادَ الخوارج وَغَلَوا في هذا الباب ، باب الخوف ، وَجَفَا فِيهِ المرجئة ، كما أن المرجئة قَدْ زَادُوا وغلوا في باب الرجاء وَجَفَا فيه الخوارج ، وَكِلَا طرفي قصد الأمور ذميم ، فَثَمَّ جادة وسطى ، هي جادة العدل والنبوة ، فهي الفضيلة بين رَذِيلَتَيْنِ ، فَإِنَّ الرجاء المحمود لا يَبْلُغُ بصاحبه حد الغرور ، كما أن الخوف المحمود لا يبلغ بصاحبه حَدَّ اليأس والقنوط ، فَثَمَّ جمال يُنَاطُ به الرجاء ، وثم جلال يُنَاطُ به الخوف ، فالكمال يجمع الجمال والجلال ، وَمُتَعَلَّقَهُمَا من الرجاء والخوف ، وذلك الوسط الجامع ، فمن نظر في الجلال وحده غَلَبَ خوفُه رجاءَه فَسَاءَ ظنه بالله ، جل وعلا ، وَمَنْ نَظَرَ فِي الجمال وحده غَلَبَ رجاؤُه خوفَه فانقلب حسنُ ظَنِّهِ غرورًا .
فذلك ما يحسن فيه سلوك الجادة الوسطى ، فلا تفريط في باب الخوف فَيَنْقَلِبَ غُرُورًا ، ولا إفراط فَيَنْقَلِبَ يأسا .

وثم ، من وجه آخر ، عنوان إيمان يَحْتَمِلُ إِذْ أُنِيطَ بِوَجَلِ القلبِ حَالَ الذَّكْرِ ، فَثَمَّ طَرْدٌ أَنَّ الإيمان يَثْبُتُ إِذَا ثَبَتَ الوجل حَالَ الذكر ، فذلك المنطوق ، وثم عكس يُقَابِلُ أَنْ لا إيمان إذا انْتَفَى الوجل فذلك المفهوم ، وهو ما يحتمل ، كما تقدم ، فقد يكون انتفاء الوجل لا على حد الإطلاق ، فَثَمَّ قدر من الوجل يجزئ في حصول معنى إيمان يجزئ ، وإن لم يكن المعنى المطلق ، فيكون الإيمان في هذه الحال هو مطلق الإيمان ، فلا تجاوز دلالة "أل" في "المؤمنون" ، من هذا الوجه ، لا تجاوز بَيَانَ الجنسِ دون استغراق وجوهه ومعانيه ، فَتَأْوِيلُ السياقِ على هذا الوجه : إنما المؤمن مطلق الإيمان الأول الذي لا إيمان دونه يجزئ ، إنما ذلك المؤمن من حصل له من الوجل قدر يجزئ في إثبات الاسم : اسمِ الإيمان ولا يجزئ في إثبات كماله فقد فَاتَهُ منه ما بِهِ فَوَاتُ الكمالِ المجزئ في حصول الوعد المطلق بالنجاة ، وإن كان ثَمَّ وَجَلٌ به إثبات مطلق الحكم بالإيمان ، فهو يوجل ولكنه ، في المقابل ، يذهل ويغفل فيضعف وَازِعُ الخوف في جنانه فَيُقَارِفُ من المعاصي ما يقدح في كمال الدين الواجب دون أصله الجامع ، فذلك وجه ، وثم آخر ، يحمل على المعنى الكامل ، فتكون دلالةُ "أل" في "المؤمنون" دلالةَ بَيَانٍ للجنس مع استغراق لوجوهه ومعانيه ، فإنما المؤمنون الذين كَمُلَ إيمانهم فاستحقوا الوعد المطلق فَضْلًا من الرب المنعِم ، جل وعلا ، فإنما أولئك مَنْ إِذَا ذُكِرَ الله ، جل وعلا ، وجلت قلوبهم الوجلَ المطلق لا مطلق الوجل ، فَهُمْ أَبَدًا يستحضرون معية المراقبة وهي من لوازم الجلال إحاطة بالخلق فلا يغيب منهم شيء عن الرب ، جل وعلا ، وتلك دلالة النكرة "شيء" في سياق النفي في قول الرب جل وعلا : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) ، فَثَمَّ من التوكيد بالناسخ "إِنَّ" ما هو أصل في الباب فَهُوَ القياس ، فذلك المؤكد اللفظي الأقوى وبعده كان الْإِرْدَافُ بآخر أضعف ، وهو المؤكد المعنوي باسمية الجملة ، وذلك القياس في التَّرْتِيبِ فالأقوى ثم الأضعف ، فكان من مؤكد المعنى : اسمية الجملة إذ الناسخ المؤكِّد لا يدخل إلا على الاسم مذكورا ، كما في هذا الموضع ، أو مقدرا حال التخفيف ، تخفيف "إن" كما في قوله تعالى : (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ) ، فتلك "إن" الناسخة المخففة لا "إِنْ" الشرطية ، فَثَمَّ اتِّفَاقٌ في المبنى وبه الاشتراك يثبت وهو مما يوهم ويشكل إذ يجري مجرى المجمَل بالاشتراك في صورة الخط والشكل والنطق ، مع اختلاف المعنى ، فذلك اشتراك بين دلالتين : التوكيد والشرط ، وهو ما يُجْرِي اللفظ مَجْرَى الإجمالِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَرِينَةٍ تُبِينُ فَهِيَ تَمِيزُ بَيْنَهُمَا وَتَدُلُّ على مراد المتكلم منهما ، فأيهما يريد ، فكان من القرينة اللفظية ، اللام في "لَيَسْتَفِزُّونَكَ" ، وهي أولا لام توكيد ، فهي لام الابتداء ، وتأخيرها ، من وجه ، قد أجراها مجرى المزحلقة ، فذلك عنوان آخر في الاصطلاح ، كما قَرَّرَ النحاة ، وتأخيرها قَرِينَةٌ تُرَجِّحُ الناسخة دون الشرطية ، إذ لا تكون المزحلقة إلا إفساحا للناسخة المؤكدة إذ المحل المبتدأ لا يحتمل اثنين من جنس واحد ، فَقِيَاسُ العقلِ والنطقِ أَنْ يَتَأَخَّرَ الأضعف إفساحا للأقوى ، فذلك ما رجح أَنَّ المقدم هو الناسخة لا الشرطية ، واللام ، أيضا ، في هذا الموضع المخصوص إذ دخلت "إن" على فعل ناقص ، وهو "كَادَ" ، اللام في هذا الموضع قد احْتَمَلَتْ لَقَبًا آخر وهو اللام الفارقة ، وهي ، من اسمها ، فُرْقَانٌ يَمِيزُ ، فَهُوَ يَمِيزُ الناسخة من الشرطية ، فتلك قرينة رَجَّحَتِ الناسخة المؤكدة ، ولا وجه أَنْ يُسْتَدْرَكَ إِذْ دخلت على فِعْلٍ لا اسم ، والقياس دخولها على الاسمية توكيدا ، وهو أمر يطرد ، ولكنه يجاوز الاسم المذكورَ فلا يقتصر عليه ، بل ثم المحذوف ، كما في هذا الموضع ، فاسم "إن" المؤكدة المخففة ، هو ضمير الشأن المحذوف ، وذلك موضع من مواضع الحذف القياسي في اللسان ، فَيَجْرِي ذلك ، أيضا ، مجرى المجاز عند من يجوزه في اللسان والوحي ، فمنه مجاز الحذف إيجازا لِمَا قَدْ دَلَّ عليه السياق ابتداء إذ لا حذف إلا بدليل ، فالأصل عدمه فلا يصار إليه إلا إذا تَعَذَّرَ حمل السياق على المذكور فافتقر إلى تقدير محذوف ، فلا بد له من دليل من المنقول أو المعقول ، فكان من دليل النطق في هذا السياق : لامٌ فارقة هي الدليل على الاسم المحذوف ، ومن ينكر المجاز فإنه يجري على أصل له يطرد ، أن ذلك مما تواتر في اللسان واشتهر ، فَلَئِنْ سُلِّمَ ابتداء أنه مجاز فهو من النوع المشتهر ، وذلك ما يُنَزَّلُ ، من وجه ، مجرى الحقيقة العرفية المقيَّدة وهي مما يُقَدَّمُ إجماعا على الحقيقة اللسانية المطلقة ، فكان من الاطراد ما به الأصل يَسْلَمُ ، إذ الناسخ المؤكد ، وهو اللفظي ، يدخل على الاسم مذكورا أو مقدرا ، فدخل على المذكور في قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) ، فَثَمَّ تَوْكِيدُ اللفظِ ثم توكيد المعنى بما استفيد من اسمية الجملة فهي مئنة من الثبوت والاستمرار ، كما قَرَّرَ أهل الشأن ، ولا يخلو السياق ، أيضا ، من جملة مؤكدات أخرى ، فَثَمَّ التوكيد بالإطناب في الخبر الذي حُدَّ حَدَّ الجملة في قوله تعالى : (لَا يَخْفَى) ، ولا يخلو من عمومات ، فَثَمَّ العموم المستفاد من تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل "يخفى" ، فلا يخفى عليه أي خفاء فَقَدْ أحاط بالعلم كله ، علم التقدير الأول ، وعلم السطر في لوح التقدير الثاني ، وعلم الإحصاء بعد تأويل المعلوم المعدوم الذي قُدِّرَ في الغيب فتأويله ما يكون من المشهود في الخارج ، فَثَمَّ إحصاء له في كتاب الأعمال الذي لا يُغَادِرُ صغيرةً ولا كبيرة إلا أحصاها ، فكل أولئك من المعاني التي استفيدت من النفي ، نفي الخفاء ، فإنه يعم ، من وجه ، وهو ، من آخر ، يدل بطريق التلازم على إثبات ضده ، بل كمالِ ضدِّه من العلم المحيط ، وذلك أصل في باب الإلهيات ، في الاسم والوصف ، فإن نَفْيَ النقص لا يحصل به ثَنَاءٌ يَتِمُّ وَيَحْسُنُ فِي هذا الباب إلا أَنْ يُشْفَعَ بالإثبات ، إثباتِ كمالِ ضدِّه ، من العلم المحيط ، فالمنطوق : نَفْيُ الخفاء مطلقا بما تَقَدَّمَ مِنْ تَسَلُّطِ النَّفْيِ على المصدر الكامن في الفعل "يَخْفَى" فضلا عن ورود النكرة "شيء" فِي سياق النفي ، وذلك نص في العموم ، كما قرر أهل الأصول ، فلا يخفي عليه شيء ، أي شيء ، ودلالته تستغرق الأعيان وما يقوم بها من الأحوال والأوصاف ، العاقل منها وغيره ، الحي منها والميت ، الموجود والمعدوم الذي لَمَّا يوجد ، الجائز والواجب بل والمحال الذي لا يثبت ، فإن العلم يحيط به ولو فرضا محضا في العقل يجري ، من وجه ، مجرى التنزل مع المخالف في الجدال بما يكون من تجويز المحال كما في قول ذي الجلال والإكرام جل وعلا : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) ، وثم توكيد آخر بتقديم ما حقه التأخير من الظرف "عليه" في قوله تعالى : (لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ) ، فالأصل أن يَقْتَرِنَ الفعل "يَخْفَى" بالفاعل "شَيْءٌ" ، فلا فاصل ولا حاجز ، فكان الفصل بالظرف "عَلَيْهِ" الذي قُدِّمَ وحقه التأخير مَئِنَّةً من الحصر والتوكيد ، وثم إطناب آخر قد استغرق شطري القسمة في قوله تعالى : (فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) ، قسمة الكون أرضا وسماء ، فذلك ما يجري ، من وجه ، مجرى الطباق إيجابا ، فَأَطْنَبَ بِذِكْرِ الأجزاءِ ، الأرض والسماء ، ولا يخلو السياق من إطناب آخر بِتِكْرَارِ النَّفْيِ ، فكل أولئك مما يندرج في عنوان قياسي في باب التوكيد المعنوي إذ زيادة المبنى مئنة من أخرى تضاهيها في المعنى .
فكان من العلم المحيط وصفُ جلالٍ به استحضار المراقبة وذلك ما به الوجل يَزِيدُ ، إِذْ ثَمَّ معية العلم المحيط ، فكل أولئك مِمَّا به الوجل يَثْبُتُ ، على وجه فيه الاعتدال يُطْلَبُ فلا ينقلب ، كما تقدم ، يأسا وقنوطا .
فكان من دلالة "أل" في "المؤمنون" في قوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) : دلالةُ بَيَانٍ للجنس يدل على مطلق المعنى فهو ما يحصل بأدنى قدر من الحقيقة المجزئة وذلك ما يكون بأدنى قدر من الوجل يجزئ في حصول مطلق أول به الخروج من عهدة ضده من الكفران ومن الغرور والأمن أَنْ يَأْخُذَ الرب ، جل وعلا ، فلا يمهل ، أو يمكر فيصبر ، وكان منها ، من وجه آخر ، دلالة استغراق لوجوه المعنى فذلك الإيمان التام الذي يحصل بالوجل التام ، وثم مفهوم يعتبر ، فمن لم يخف ولم يوجل مطلقا فليس بمؤمن فذلك الكافر ، لا مَنِ انْتَفَى من قلبه الوجل المطلق دون مطلق الوجل الأول فَمَعَهُ مِنْ مطلَقِ المعنى ما به الخروج من عهدة الكفر ولو بحصول أدنى قدر من الإيمان يجزئ في ثُبُوتِ مطلق الاسم دون الاسم المطلق ، فكل أولئك وجوه تصح ، فَحَمْلُ السياق عليها يحسن إذ به إِثْرَاءُ المبنى بِتَوَارُدِ المعاني الصحيحة عليه ، وهو ، من وجه ، مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، وثم من دلالة الظرفية والشرط ما وضع للكثير ، فتلك دلالة "إذا" في قوله تعالى : (إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) ، وهو مئنة من جريان الحكم واطراده ، وذلك آكد في تَقْرِيرِ المعنى وتوكيده ، وثم عموم آخر استفيد من حَذْفِ الفاعل فَبُنِيَ عامل الذكر لما لم يُسَمَّ فاعله ، فيحصل الوجل من أي ذكر أيا كان الذَّاكِرُ ، فقد يكون نَاطِقًا أو مكتوبا ، وَثَمَّ إطلاق آخر يستغرق سائر أجناس الذكر ، من الكتاب أو الخبر ، أو مِنْ مَأْثُورِ الدعاء أو من الذكر المطلق الذي يسلك جادة الشرع المنزل فلا يكون ذكرا محدَثا لا أصل له ، ولا يكون على هَيْئَةٍ تُزْرِي ، أو لفظ يوهم .... إلخ ، فيكون الذكر مشروعا ، وثم من الجواب ما حُدَّ حَدَّ الماضي في قوله تعالى : (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) إمعانا في تقرير المعنى فهو من الحاصل المؤكد فكأنه قد ثَبَتَ وَانْتَهَى الأمر ، فضلا عن دلالة التلازم بين الشرط والجواب ، ولا يخلو وَجَلُ القلبِ من عموم آخر يستغرِق جميع الجوارح على حد التلازم إذ خشوع القلب ذريعة إلى ما بعده من خشوع الجوارح ، فصلاحها من صلاحه طردا ، وفسادها من فساده عكسا ، فيكون من آثار الوجل في القول والعمل ، قَوْلِ اللسان وعملِ الأركان ، يكون من آثار الوجل في الخارج دليلُ صدقٍ على ما قَامَ بالباطن ، وهو ، من وجه آخر ، يُقَاسِمُ حركةَ الجنانِ بمادة الوجل ، وتلك مَادَّةُ عَمَلٍ تَبْطُنُ ، يُقَاسِمُهَا جِنْسًا أعلى وهو العمل ، فمنه عمل الباطن وجلا ورجاء واستعانة وتوكلا .... إلخ ، ومنه عمل الظاهر ذكرا ، وآخر منه فِعْلًا وَتَرْكًا ، فوجلت القلوب ابتداء وهو المذكور ، واستقام اللسانُ وَسَائِرُ الأركانِ على جادة الحق ، صدقا وعدلا ، تصديقا وامتثالا ، فكان ذلك على حَدِّ التلازم فهو مما حُذِفَ إذ دَلَّ عليه المذكور مِنْ عَمَلِ القلبِ ، دَلَّ عليه دلالة التلازم ، فَصَدَّقَ القولُ والعملُ مَا اسْتَقَرَّ في الجنان من الخوف والوجل ، وَمِنْ ثَمَّ كان الإطناب تاليا : (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) ، فَثَمَّ تكرار للشرط "إِذَا" مَئِنَّةً مِنْ كَثْرَةٍ تَقَدَّمَتْ فَهِيَ مما يدل على تَلَبُّسِ الفاعل بالفعل فهو مما اطرد واستقر من حاله حتى صار كالعادة التي تَطَّرِدُ وَتَنْعَكِسُ ، وقد حُذِفَ الفاعل ، أيضا ، فاعل التلاوة مئنة من العموم ، فإذا تَلَا أَيُّ تَالٍ آيَ الذكر كانت زيادة الإيمان ، وهو مما به تَفْنِيدُ شبهةِ الإرجاءِ ، إذ يَزِيدُ الإيمان باستماع التلاوة وذلك عمل ، فدخل العمل في مسمى الإيمان ، من وجه ، فجاوز ما استقر في الباطن من العرفان والتصديق ، وكان من الزيادة بالاستماع ما به نَفْيُ التَّسَاوِي في الإيمان ، فهو يزيد ، وذلك المذكور ، وهو يَنْقُصُ فذلك لازم المذكور ، فهو يزيد بالطاعة وَيَنْقُصُ بالفتور عنها ولو لم يَتَوَجَّهِ الذَّمُّ إذا كانت الطاعة من النفل لا على حَدِّ التَّرْكِ المطلَقِ لجنسه فذلك مما يلام صاحبه وإن لم يذم ، ومآل ذلك في الغالب أن يَبْلُغَ بِهِ حَدَّ الذم إذ تَرَكَ جنس المندوب مطلقا ذريعة إلى التفريط في الواجب فقد زال عنه سياجه من المندوب ، فيوشك من حَامَ حول الحمى أن يسقط فِيهِ ، كَمَا المكروه فَهُوَ سياج المحرم فيوشك من جَاوَزَهُ أَنْ يَسْقُطَ فِي حمى المحرم ، فذلك ، أيضا ، ما اطرد وانعكس ، في الفعل والترك ، وهو في سد الذرائع أصل ، وثم من دلالة العموم في الآي ما جرى على قياس اللسان ، فالجمع المزيد بالألف والتاء في "آيَاتُهُ" ، بادي الرأي ، مَئِنَّةً من القلة ، وهو ما قَدْ رَفَدَتْهُ الإضافة إلى الضمير ، ضمير الغائب ومرجعه الله جل وعلا ، فَأَكْسَبَتْهُ تَعْرِيفَ لفظِه وعمومَ معناه على وجه قد استغرق جميع الآي ، أخبارا أو أحكاما ، وعدا أو وعيدا ، إيجابا أو تحريما ، إباحة أو حظرا ، إلهيات أو نبوات أو سمعيات ، وقد يجاوز بالنظر في عموم المعنى الذي يجاوز حد التلاوة بالقراءة ، قد يجاوز بالنظر في عموم المعنى وهو التدبر ، فيكون من تلاوة الآيات ما يَسْتَغْرِقُ كُلَّ دليلٍ من أدلة الوحي آيا أو أخبارا ، بل قد يجاوزهما إلى آي التكوين فلا يخلو بَسْطُهَا فِي الآفاق من تلاوةٍ يَحْسُنُ الاستماع لَهَا تَدَبُّرًا وَتَفَكُّرًا يجاوِزُ حَدَّ الرؤية المجردة ، فكل أولئك مما به زيادة في المعنى لمبنى واحد ، فسياق واحد قد تَحَمَّلَ من المعاني ما يكثر وهو ، أيضا ، شَاهِدٌ بِهِ يَسْتَأْنِسُ مَنْ يُجَوِّزُ دلالة العموم في اللفظ المشترك ، وثم إسناد يجري مجرى المجاز عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُهُ فِي اللسان والوحي ، فإن الآيات لا تَزِيدُ بِنَفْسِهَا وإنما تلاوتها ما يزيد على تقدير : زادتهم تلاوتها إيمانا ، فَحُذِفَ المضاف وَأُقِيمَ المضاف إليه مقامه ، وهو ما يجاوز ، من وجه آخر ، حد التلاوة إلى التفسير الذي يَتَنَاوَلُ المعاني الأولية الجامعة ، وما زَادَ مِنْ تَدَبُّرٍ وَنَظَرٍ يَتَنَاوَلُ مَا بَعْدَهَا من المعاني الثانوية اللطيفة التي لا تُدْرَكُ ، بادي الرأي ، بل لا بد من نظر زائد يجري ، من وجه ، مجرى التأويل الذي يَفْتَقِرُ إِلَى قَرَائِنَ وعلائق تَدِقُّ وبها يزداد اليقين والإيمان لمن هو أهل أَنْ يَنْظُرَ ، وإلا فَقَدْ يكون الإمعان في الدقائق ذريعةَ الشكِّ والافْتِتَانِ في حق من لم يدرك حد التأويل ومسالكه ، فلا يجاوز تكليفه ما يدرك من المعاني الأولية التي بها استيفاء الحجة الرسالية فهي حجة الضرورة التي يدركها كل أحد ، وذلك مِنْ فَضْلِ الإله الحق ذِي المنن ، جل وعلا ، أَنْ كَانَ التكليفُ المجزئ بِتِلَاوَةِ أصولٍ ومعانٍ جامعة يستوي فيها أصحاب النُّهَى فَلَا امْتِيَازَ فِيهَا لأحد عن آخر ، فذلك إنما يكون في الزوائد التي تجري مجرى اللطائف ، أو هِيَ ، وإن كانت من الفروض الدينية إلا أنها كفائية لا يجب فِي حَقِّ كُلِّ أحدٍ دَرَكُهَا ، فَلَئِنْ زَادَ بِهَا الإيمان فهو الإيمان المستحب الذي به يمتاز أولو العلم إذ يرفعهم الله ، جل وعلا ، درجات ، فـ : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ، وَأَمَّا الواجب المجزئ في حصول النجاة ابتداء أَنْ يَزِيدَ مطلق الإيمان الأول بتلاوة الآي خبرا وحكما ، وهو ما أطلق في هذا السياق وقيد في آخر ، في قوله تعالى : (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ) ، فَثَمَّ تلاوة أولى بها دَرَكُ الأصولِ ، أصولِ العلوم والأعمال ، وهو ما لا يجزئ عرفانا مجرَّدا حتى يكون ثم ما يشفع من التصديق ، وذلك ما يجاوز حد الاعتقاد إلى النُّطْقِ وما يجب من العمل ، ولو جِنْسًا من الفرائض بِهِ يحصل أدنى ما يصدق فيه أنه إيمان يجزئ في حصول مطلق النجاة لا النجاة المطلقة التي وُعِدَ بها المؤمن المطلق ، فهي النجاة بادي الرأي ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، قياس العقل ، فمطلق الإيمان يجزئ في حصول مطلق النجاة كما أن الإيمان المطلق يجزئ في حصول النجاة المطلقة ، فالوعد ، مِنْ هَذَا الوجه ، جِنْسٌ عَامٌّ يَسْتَغْرِقُ فَتَحْتَهُ أَنْوَاعٌ ، إذ ثم الوعد ابتداء وهو الوعد المطلق الذي لا يَتَخَلَّفُ لَا إيجابا وإلزاما في حَقِّ الله ، جل وعلا ، فلا يُلْزِمُ المخلوقُ الخالقَ ، تبارك وتعالى ، بشيء ، فذلك إنما يصح في حق مخلوق مثله إن عمل له عملا أَنْ يُوَفِّيَهُ أجره ، وأما الخالق ، عز وجل ، فهو خالق المخلوق وعمله فكيف يجب عليه شيء لِمَنْ هو ملكه ؟! ، فَثَمَّ قياس يجري مجرى التشبيه في الأفعال وَمِنْ عجب ، كما يقول بعض المحققين ، أَنْ كَانَ ذلك قول من غلا في النفي والتعطيل فِرَارًا مِنَ التَّشْبِيهِ ، فَوَقَعَ فِيمَا فَرَّ منه ، إذ شبه في باب الأفعال ، وَقَاسَ الخالقَ على المخلوق ! في باب الأفعال ، وَإِنْ نَفَى أصلُ التَّشَابُهِ في باب الصفات ولو في المعاني المطلقة التي تجرى مجرى المشترك المعنوي فلا يلزم من وقوع الشركة فيه تَشْبِيهٌ أو تمثيل في الحقائق الخارجية فمحله المعاني العقلية التي يجردها الذهن ، ولا بد من إثباتها وَإِلَّا سَقَطَ الاستدلال بالألفاظ كأعلام تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ قَدِ اسْتَقَرَّتْ فِي اللسان ضرورةً لا يُنْكِرُهَا إلا جاحد أو مسفسط ، فكان من تَنَاقُضِ القومِ أن وَقَعُوا في عين ما فَرُّوا منه ، وجعلوا الوعد والوعيد لازما في حق الله ، جل وعلا ، وليس ذلك بلازم ، فإن الله ، جل وعلا ، يُوَفِّي المؤمنَ والصالحَ وعدَه فَضْلًا مِنْهُ وَمِنَّةً ، من وجه ، وتأويلا صحيحا لوصفه الكامل أنه الصادق الذي لا يُخْلِفُ ، فَذَلِكَ ما قد جاء به الوحي المنزل نَقْلًا متواترا صَدَّقَ الدلالة العقلية الضرورية التي تُثْبِتُ الكمالَ المطلق لله ، جل وعلا ، فكان مِنْ تَفْصِيلِ الوحي في مواضع إن بالإثبات وهو الأكثر ، أو بِالنَّفْيِ ، وهو الأقل ، ولا يخلو ، من وجه ، أن يكون مرادا لغيره فَبِهِ تخلية المحل من وصف النقص ، فذلك ما يُوَطِّئُهُ لِوَصْفِ الكمالِ ، وهو ما يجب لله ، جل وعلا ، ضرورةً وإن إيجاب الجملة فَفِي الوحيِ بَيَانٌ يُفَصِّلُ مَا أُجْمِلَ مِنْ فطرة الضرورة الأولى ، فطرة التوحيد ، فكان من النفي ما يُرَادُ لغيره وهو إثباتُ كَمَالِ ضده ، فذلك أصل يطرد في هذا الباب الجليل ، باب الإلهيات ، ومنه محل الشاهد في قول الرب الخالق جل وعلا : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) ، فلا يخلف الميعاد إذ اتصف بكمال ضده من الوفاء ، وهو محل الشاهد ، فهو يَفِي بالوعد فضلا لا إلجاء ، كما أن الوعيد يَنْفُذُ إِنْ نَفَذَ عدلا لا إلجاء ، فالكريم إذا قَدَرَ عَفَا فضلا أو آخذ عدلا ، لا أنه يُؤَاخِذُ أبدا بإلجاءِ قياسٍ عقلي على المخلوق ، بل الكريم من البشر لا يُنْفِذُ وعيدَه أبدا ، فما استوفى كريم قط ، بل إِذَا قَدَرَ عَفَا فضلا ، كما صنع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم الفتح ، وإن آخذَ آخذَ عدلا كما صنع عليه الصلاة والسلام بِبَعْضٍ ممن أهدرَ دمهم ، فَجَمَعَ الفضلَ والعدلَ كلٌّ في موضع يلائم وتلك ، من وجه آخر ، ماهية الحكمة البالغة ، فكان المدح بها على حد التلازم ، ولله ، جل وعلا ، من كل ذلك المثل الأعلى ، فالأمر يستقيم ، ولو بالقياس على فعل الكامل من المخلوق قياسَ الأولى على وجه يليق بالمعبود الحق جل وعلا .
فَكَانَ من الوعد جِنْسٌ عام ، كَمَا تَقَدَّمَ ، فمنه الوعد المطلق بالنجاة ابتداء ، فذلك ما يكون في حَقِّ مَنْ تَلَا الوحي حقَّ التلاوة فَزَادَهُ إيمانا حتى بَلَغَ حد الإيمان الواجب وقد يَزِيدُ فَيَبْلُغُ بِهِ حد الإيمان المستحب بما يكون من تدبر يزيد فهو يَتَنَاوَلُ ، كما تقدم ، المعاني الثانوية ولطائف الاستدلال ودقائق الاستنباط ، فضلا عن تلاوة أخرى أدق وهي تصفح آيات التكوين في الخارج ، الآفاقية والنفسانية ، فذلك أيضا مما به يَزِيدُ الإيمان واليقين .

ومن الوعد في المقابل وعدٌ بمطلق النجاة لا النجاة المطلقة وهو ما يثبت لمن حصل له أدنى ما يجزئ في حصول اسم إيماني ، ولو مطلقا أول ، فذلك ما يكون بتلاوة الأصول الضرورية لإثبات مطلق أول من الحقيقة الدينية ، فذلك الاعتقاد والقول وما يكون من جنس العمل المصدق وإن لم يَسْتَوْفِ الواجب ، فقد أَتَى منه بمطلق أول أدخله في حَدِّ الإيمان المجزئ في حصول نجاة ، ولو مطلق نجاة لا يلزم منه مَنْعُ الوعيدِ أَنْ يَنْفُذَ ، فَقَدْ يكون ثَمَّ من العصيان الذي لا يَنْقُضُ أصلَ الإيمان الجامع فهو ينقض كماله الواجب ، قد يكون منه مناط وعيد مؤقت إِنْ نَفَذَ فالعدل ، وإن لم يَنْفُذْ فالفضل ، فَإِنْ كان العدل فالوعيد مُؤَقَّتٌ لا يَتَأَبَّدُ وبعده يصدق الوعد بالنجاة ، ولو انتهاء ، وذلك مطلق نجاة مَنَاطُهَا ، كما تَقَدَّمَ ، أدنى ما يصدق فيه اسم الإيمان ، وأدنى ما يجزئ من تلاوة الآيات أصولا جامعات يُصَدِّقُ بها الجنان واللسان وَتَتَأَوَّلُ الأركان منه جنسا به حصول ماهية إيمانية صحيحة في الخارج ، وإن لم تكن كاملة الكمال الواجب ، فذلك ما يكون تاليا بمباشرة الآيات تلاوة ونظرا وتدبرا ... إلخ ، حتى تبلغ بصاحبها حد الإيمان الواجب وقد يزيد في الدرجات فيبلغ حد الإيمان المستحب ، فلا يخلو الخبر في هذا الموضع ، أيضا ، لا يخلو من دلالة إنشائية تَأْمُرُ أَنِ : اتْلُوا الآي لتزدادوا إيمانا ، وهو ما يدل لزوما على إنشاء آخر يَنْهَى فلا تهجروا الآي المنزل فلا تَتْلُوُه فذلك ما يُنْقِصُ الإيمان كَمَا أَنَّ التلاوة للآي مما يزيده ، ومن ثم كان الختام بقوله تعالى : (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) ، وهو ما يَجْرِي ، من وجه ، مجرى التمثيل للعام بذكر آحاد منه لا على سبيل الاستغراق ، وإنما على سبيل المثال المبين ولا يخلو من تنويه بالآحاد المذكورات من التوكل والصلاة والإنفاق في قوله تعالى : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) ، فذلك ما يجري مجرى الإطناب بِعَطْفِ الخاص على العام ، فتلاوة الآيات ومنها آيات التوكل والصلاة والنفقة ، وتأولها بالامتثال ، كل أولئك مما يدخل في عموم التلاوة التي تزيد الإيمان فهي ، بداهة ، ما يُشْفَعُ بالعمل المصدِّق ، ومنه عمل القلب تَوَكُّلًا وآثاره في القول والعمل تظهر ، وَمِنْهُ الصلاة فَهِيَ العبادة البدنية ، وَمِنْهُ النفقة وهي العبادة المالية ، فكل أولئك مما يدخل في عموم الآيات المتلوَّةِ .
فكان الإطناب بِخَاصٍّ بعد عام ، ولم يخل ذكر التوكل من حصر وتوكيد قِيَاسِيٍّ بتقديم ما حقه التأخير من الظرف في قوله تعالى : (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) ، وإن كان حقه التقديم ، من وجه ، إِذْ ذُكِرَ فِيهِ اسم الرب ، جل وعلا ، وهو الاسم الذي استحق الصدارة مطلقا فذلك مدلول النقل والعقل وكل دليل في الخارج يصح ، ولم يخل عنوان الربوبية من حسن تلاؤم ، فإن المتوكل يَتَوَكَّلُ عَلَى مَنْ يَرْعَى وَيَكْلَأُ ، وذلك هو الرب المعظَّم ، جل وعلا ، فالربوبية مظنة الرعاية والحماية وذلك ما يَرُومُ المتوكل فإنه لا يتوكل إلا على من يقدر ، فهو رَبٌّ يُصْلِحُ شأنه فَيَحْفَظُهُ من الرَّزَايَا وَيَمُنُّ عليه بالعطايا ، ولا تخلو المضارعة في قوله تعالى : (يَتَوَكَّلُونَ) من استحضار للصورة وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده فضلا عن دلالة ديمومة واستمرار تستغرق الحال والمستقبل وَبِهَا يَطَّرِدُ التكليف فَذَلِكَ واجبٌ في الجنان لَا يَتَخَلَّفُ ، وهو ، أيضا ، مما يَتَفَاوَتُ ، فَثَمَّ قدر واجب لا يَثْبُتُ إيمانٌ يجزئ إلا به ، وَثَمَّ منه زائد يبلغ بصاحبه حد الإيمان الواجب فهو المؤمن حقا ، كما في لِحَاقٍ يَتْلُو في قوله تعالى : (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) ، وثم من يجاوز فيبلغ به حد التوكل المستحب ، فتلك درجة أعلى لا تكون إلا لمن اصطفى الرب الأعلى ، عز وجل ، بما له من علم بالمحالِّ وحكمة أَنْ وَهَبَ كُلًّا ما يليق به من الأحوال ، وذلك ما قد دَلَّ ، أيضا ، على إنشاء يلازم أَنْ : تَوَكَّلُوا على الله ، جل وعلا ، حَقَّ التوكل ، وكذا يقال في عنوان الصلاة والنفقة في قوله تعالى : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) ، وَقَدْ حُدَّا ، أيضا ، حَدَّ الوصلِ ، فَثَمَّ إطنابٌ بالمجمل من الموصول المجموع وهو ما شُفِعَ بالنظر في الوضع الأول في اللسان بما اصطلح أنه الصلة وهي مناط الفائدة إذ بها ، أيضا ، أنيط حكم الإيمان الأول ، فذلك ما يجري ، من وجه ، مجرى البدل من الموصول الأول ، وقد يُقَالُ إن الأليق أنه عطف بيان إذ المبدل منه الأول قد أُرِيدَ وقصد بالحكم كما التابع ، خلاف ما يكون في البدل إذ هو التابع المقصود بالحكم أصالة دون المبدل منه الذي يقتصر دوره في الكلام أَنْ يُوَطِّئَ لِمَا بعده من البدل ، وذلك ، بداهة ، ما لا يتصور في الوجل صدر الآي : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) ، فإنه مما يراد لِذَاتِهِ بل هو أصل أول من أصول الإيمان إذ مداره على الرَّجَاءِ والخوف ، وهو مناط الفائدة في الموصول الأول : (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) ، فكان الثاني : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) عَطْفَ بَيَانٍ له ، من وجه ، قد زاده معنى على آخر ، وهو ، من وجه ثان ، قد يجري مجرى النعت للأول فيزيده ، أيضا ، معنى على آخر ، وقد يجري ، من وجه ثالث ، مجرى الخبر الثاني ، عند من يجوز دلالة التَّعَدُّدِ في الخبر ، فأخبر أن قلوبهم توجل حال الذكر ، وأنهم يقيمون الصلاة ومما رزقهم الله ، جل وعلا ، ينفقون ، ولم يخل الختام في قوله تعالى : (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) من تقديم آخر لما حقه التأخير من الظرف "مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ" مئنة من الحصر والتوكيد ، من وجه ، ورعاية لفواصل الآي من آخر .
والمضارعةُ في الْعَامِلَيْنِ "يُقِيمُونَ" و "يُنْفِقُونَ" جَارِيَانِ على مَا تَقَدَّمَ من استحضار الصورة ودلالة الاستمرار والديمومة ، فضلا عن دلالة "أل" في "الصلاة" فهي ، من وجه ، مئنة من بَيَانِ جنس أول ينصرف إلى الواجب المجزئ ، ولا يخلو من دلالة أعم بالنظر في كمال الإيمان المستحب فذلك ما يُدْخِلُ النوافل في دلالة "أل" : دلالةِ العموم المستغرق لآحاد الجنس جميعا ، الفرائض والنوافل ، فيكون الاشتراك في الدلالة على وجه يَسْتَأْنِسُ به ، من مَنْ يُجَوِّزُ دلالة العموم في اللفظ المشترك إذ يحمله على أكثر من معنى على وجه يصح بل وَيَحْسُنُ إذ به إثراء المعنى وإن تَرَجَّحَ أحدهما ابتداء فالراجح من عنوان الصلاة في هذا السياق هو الجنس الواجب ، واللفظُ والسياق ، مع ذلك ، قد استغرق الجنس المستحب ، وثم دلالة تَبْعِيضٍ في النفقة وذلك من رحمة الرب العليم بالنفوس وما أُحْضِرَتْهُ من الشح فلا تجود إلا بِبَعْضٍ فلم يُكَلِّفْهَا ما لا تطيق ، والنفقة هنا ، أيضا ، وإن انصرفت إلى الواجب بادي الرأي إلا أنها تَعُمُّ ، من وجه آخر ، ما اسْتُحِبَّ وهو ما يُثْرِي السياق بالمعاني الصحيحة واللفظ واحد ، وَثَمَّ من عنوان الرزق ما يُذَكِّرُ أَنَّ ما بأيديهم ليس ملكا خالصا لهم بل هو رزق استخلفوا فيه بما يواطئ الأمر والنهي ويصلح الدين والدنيا ، وثم التفات في الضمير في "رَزَقْنَاهُمْ" يزيد في الدلالة ، من وجه ، وَيُذَكِّرُ بِعِظَمِ المنَّةِ وهو ما يستوجب امتثال الشرعة شكرًا يُصَدِّقُ العملُ فيه القول والاعتقاد ، فكان من تأويل الخبر في هذا السياق ، أيضا ، ما يجري مجرى الإنشاء أَمْرًا أَنْ : أَقِيمُوا الصلاة وَأَنْفِقُوا مما رزقكم الله ، جل وعلا ، وذلك ما جاء به الوحي صراحة في مواضع أخرى من التنزيل ، كما في قوله تعالى : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ، و : (أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ) .
وبعده كانت الإشارة إلى البعيد في قوله تعالى : (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) ، فهي ، كما تقدم ، مما احتمل في الدلالة ، فاحتمل إشارة البعيد تعظيما وضده من إشارة البعيد تحقيرا ، والسياق هو ما يعين مراد المتكلم ، فَثَمَّ في هذا السياق إشارة بَعِيدٍ يُعَظَّمُ ، فهو المؤمن المسدد ، وهو ما كان من عَالٍ ، وهو الله ، جل وعلا ، فهي إشارة عَالٍ إلى آخر ، وإن كان الثاني دونه في العلو فإن الله ، جل وعلا ، هو العلي العلو المطلق فَيُشِيرُ إلى غَيْرِهِ إشارةَ البعيد إما تعظيما كَمَا المؤمن ، وإن لم يخل من دلالة إشارة إلى من دونه فَكُلُّ ما سواه ، جل وعلا ، فهو أدنى ، وإن كان له من الوصف ما يشرف ويعظم ، فضلا عمن يحقر فهو أدنى من باب أولى فهو الأدنى مكانا ومكانة خلاف المعظَّم فهو الأدنى مكانا دون المكانة ، فكان من الاشتراك في دلالة الإشارة آنفة الذكر ما يجري مجرى الأضداد في الدلالة وهو ما افتقر إلى قرينة من خارج اللفظ ، فتلك قرينة السياق الذي تَضَمَّنَهُ ، فكان من السياق في هذا الموضع ما جرى مجرى القرينة من خارج فقد زاد في معنى الإشارة إلى البعيد معنى التعظيم ، كما في بيت الفرزدق المشهور :
أولَئِكَ آبائي فَجِئني بِمِثلِهِم ******* إِذا جَمَعَتنا يا جَريرُ المَجامِعُ .
فكان من قرينة السياق وهو الفخر ما رَجَّحَ ، أيضا ، دلالة التعظيم والعلو ، وهو ما حَسُنَ معه القصر بتعريف الجزأين "أولئك" و "آبائي" ، فتلك دلالة لا تخلو من توكيد وَتَنْوِيهٍ ، وهو ما رُفِدَ بأمر يجري مجرى التحدي في "فَجِئْنِي" ، ولا يخلو العطف على حد الفور من زيادة في التحدي ، فقد عاجله بالأمر ، ولا يخلو الشرط : "إِذا جَمَعَتنا يا جَريرُ المَجامِعُ" من دلالة قَيْدٍ إذ أُشْرِبَ معنى الظرف ، وهو ما حذف جوابه إذ دل عليه الشطر الأول ابتداء على تقدير : إذا جمعتنا يا جرير المجامع فجئني بمثلهم ، فحذف الجواب المتأخر لدلالة ما تقدم عليه ، وذلك القياس في اللسان إذ يَدُلُّ المذكور المتقدم الذي استقر في الذهن فحصل منه أصل ومرجع يقاس عليه ما بعده ، فيدل هذا المذكور المتقدم على المحذوف المتأخر ، فلا بد له من مرجع ، وذلك الأصل في الحذف ، وقد يكون ثم حذف ولا مرجع يتقدم ، فثم من نباهة الذكر ما يجزئ ، كما في مرجع الضمير فلا بد أن يتقدم ، أيضا ، إذ لا يخلو من إجمال يضاهي إجمال الحذف فكلاهما يفتقر إلى المبيِّن ، والأصل فيه أَنْ يَتَقَدَّمَ ، فإذا نَبُهَ وَشَرُفَ لم يحتج إلى مرجع يذكر ، كما القرآن المنزل فهو من النباهة بمكان يعظم ، فكان من دلالة الضمير في "بِهِ" في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) ما استبان ، بادي الرأي ، إذ أغنت نباهة الذكر عن مرجع يتقدم .
فكان من ذكر الأمر في بيت الفرزدق آنف الذكر ما دل على الجواب المتأخر ، ولا تخلو "إذا" من دلالة الكثرة وذلك ، أيضا ، آكد في التحدي ، ولم يخل النداء في هذا الموضع في قوله "يَا جَرِيرُ" ، كما الإشارة ، لم يخل من دلالة إجمال إذ نداء البعيد يحتمل نداء المعظم علوا أو نداء المحقر دُنُوًّا ، فيجري مجرى الأضداد التي تفتقر إلى قرينة من خارج ، فَثَمَّ قرينة السياق في هذا البيت إذ يفاخر خصمه فتلك قرينة تصرف النداء إلى التحقير فهو يخاطب خصمه الذي يواجه خطاب البعيد إذ محله أسفل وجرمه في الخارج أصغر ، فهو في محل أدنى ، خلاف المنادي العالي الذي يفاخر بقومه ويباهي ، وقد يكون على ضد ذلك فيكون المنادِي هو السافل والمنادَى هو العالي ، كما في قوله تعالى : (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) ، وكما في نداء الله ، جل وعلا ، في كل موضع في التنزيل والخبر ، وقد يكون النداء من عال إلى مثله فيكون من قرينة التكريم ما يرجح ، كما في نداء الله ، جل وعلا ، لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، فالله ، جل وعلا ، بداهة ، أعلى ، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كسائر الخلق فهو في محل أدنى في الأرض ، والله ، جل وعلا ، في المقابل ، في السماء ، على وجه به طباق إيجاب بين حدين : الخالق ، جل وعلا ، في حَدٍّ والمخلوق في آخر ، والسماء في حد والأرض في آخر ، وهو ما يحمل ، أيضا ، على المقابلة بَيْنَ شطرين حَالَ اجتمعتِ المتطابقات كل في شطر : الخالق في السماء ، والمخلوق في الأرض .
فاجتمع في هذا السياق ، سياق النداء لصاحب الشرع الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، اجتمع فيه الوجهان الأعلى والأدنى ، ولا تَعَارُضَ إذ الجهة قد انفكت ، فجاز الجمع بين الوجهين وهو مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك .

والشاهد أن ثم إشارة إلى البعيد تعظيما في قوله تعالى : (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) ، وهو ما حَسُنَ معه الإطناب بعنوان إيمان حُدَّ حَدَّ القصر ، وذلك ما ينصرف إلى الإيمان المطلق لقرينة ما تقدم من الإتيان بالفرائض المذكورات على حد التمثيل لعام بذكر آحاد منه كالوجل وزيادة الإيمان حال التلاوة والتوكل والصلاة والنفقة ، وهو ما أَطْنَبَ في مثاله في موضع آخر من التنزيل في قوله تعالى : (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) ، فكان من عنوان زائد في هذا السياق وهو عنوان الصبر ، كان منه ما أنيط به اسم الإخبات في سِبَاقِهِ المتقدِّم : (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) ، وهو ما يضاهي الإيمان محل الشاهد في آي الأنفال ، فكان من دلالة "أل" في "المؤمنون" ما يجري ، من وجه ، مجرى بيان الجنس ، ويجري ، من آخر ، مجرى الاستغراق ، الاستغراق المعنوي لوجوه الإيمان باطنا وظاهرا ، وثم توكيد بالمفعول المطلق أو نائبه على خلاف في حده ، فهو نائب عن المفعول على تقدير : أولئك هم المؤمنون إيمانا حقا ، فحذف الموصوف وأقيم الوصف مقامه ، وذلك ما يجري ، من وجه ، مجرى الإيجاز بالحذف ، وهو من أجناس المجاز فمنه مجازٌ بالزيادة وآخر بالنقص كما في هذا الموضع من آي الذكر ، ومن ينكر المجاز فهو يجري الاسم ابتداء مجرى المفعول المطلق فلا حذف ، أو هو يجريه مجرى النائب في مِثَالِ حذفٍ قَدِ اطرد في اللسان فصار كحقيقة العرف فهو مجاز قد اشتهر حتى بَلَغَ من ذلك غايةً ساغ بها إجراؤه مجرى الحقيقة ، ومن ثم كان الإطناب بالوعد بعد بيان الحكم ، فحكم لهم بالإيمان ، وكان الوعد الصادق من الرحمن ، جل وعلا ، وهو ما أنيط باسم الإيمان الذي اشتق منه اسم "المؤمنون" ، فثم إطناب بالخبر : (لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) ، وهو ما جرى ، أيضا ، مجرى الحصر والتوكيد بتقديم ما حقه التأخير من الظرف "لهم" فضلا عن دلالة اللام اختصاصا لا يخلو من دلالة التفضل والامتنان ، وثم من النكرة في "درجاتٍ" ما يجري مجرى النوعية وهي ، أيضا ، مما يحتمل ، فتحتمل التكثير وتحتمل ضده ، وهو ما يجريها مجرى الأضداد فلا بد من قرينة من خارج لفظها ، فالسياق يشهد بالمعنى الأكثر والأكبر فهي درجات كثيرة ومغفرة كبيرة ، وهو ما أطنب بعده بلازم من لوازمها فذلك ما يجري ، من وجه ، مجرى التعليل ، فإن الرزق الكريم في قوله تعالى : (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) مسبَّب تَفَرَّعَ عن سببه الأول وهو الدرجة والمغفرة ، والدرجة والمغفرة ، من وجه آخر ، مسبَّب تفرع عن سبب أول وهو الإيمان فهو سبب الجميع من المغفرة والرزق الكريم ، وذلك ما يجري مجرى الوعد الصادق ولازمه أَمْرٌ بواجب وهو الإيمان ، فلا يخلو من دلالة تلازم بين الخبر والإنشاء أن : آمنوا لتنالوا المغفرة والرزق الكريم .
فَثَمَّ قرينة ترجح في "أل" في "المؤمنون" في قوله تعالى : (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) دلالة العموم المستغرق الذي يجاوز حد البيان المجرد ، بيان الجنس ، فإن الإشارة : إشارةَ البعيد في "أولئك" مئنة من التعظيم ، والتعريف بقصر الجزأين ، "أولئك" و "المؤمنون" فضلا عن ضمير الفصل "هم" ، على اختلاف في الإعراب ذكره أهل الشأن ، فَثَمَّ من أجرى السياق مجرى الإخبار بالمفرد "المؤمنون" ، فضمير الفصل قد رَجَّحَ ذلك إذ احتمل ذكر "المؤمنون" بلا فصل أن يكون الخبر أو البدل ، فذلك احتمال قد استوى طرفاه ، فيجري مجرى الجائز ، كما يقول النظار ، والجائز لا بد له من مرجِّحٍ من خارج ، إذ لا يكون الترجيح بلا مرجح ، فذلك محض التحكم ، فالقول إن لفظ "المؤمنون" هو الخبر يكملُ به المعنى فلا يفتقر إلى زيادة ، وأما القول إنه البدل فلا يكمل به المعنى إذ لم يكن من "أولئك" إلا التمهيد لما بعده فَقَدَّمَ بين يدي البدل توطئةً ولم يكتمل المعنى فلا بد من زيادة ، خلاف التأويل الأول ، فكان من ضمير الفصل ما رجح الابتداء بـ : "أولئك"والإخبار بـ : "المؤمنون" فاكتمل المعنى على حد القصر بتعريف الجزأين ، وذلك ما زاد في الدلالة حصرا وتوكيدا ، وهو ما احتمل المبالغة ، فذلك قصر المبالغة إمعانا في التنويه بما تقدم من أعمال الباطن وَجَلًا وزيادة إيمان ، وذلك أمر يخفى فمحله ما بطن ، وإن كان له من الآثار ما يظهر ويصدق من القول والعمل إلا أن آثاره في زيادة الإيمان الصحيح المجزئ ذلك ما يشبه ، من وجه ، شروط الشهادة من الصدق واليقين والقبول ..... إلخ ، فكلها أو جُلُّهَا مما يخفى وإن كان من آثاره في الخارج ما يَظْهَرُ ولو اجتهد صاحبه أن يُخْفِيَ ، فلا بد من شاهد في الخارج ، ولو لَطُفَ فلم يُفْطَنْ له بادي الرأي ، لا بد من ذلك الشاهد ، ولو بعد حين ، فكم كَتَمَ خلقٌ الكفرانَ وأظهروا الشهادة والولاية ، وقد احتملوا في بواطنهم من العداوة للوحي وآله ما يَفْزَعُ الناظر لو اطَّلَعَ عليه ، فكان من الغفلة ما يستوجب الاعتبار والاعتذار إذ انْطَلَى ذلك الخداع على فِئَامٍ تَكْثُرُ حَتَّى صارت الولاية فيهم لِمَارِقٍ لا يرحم قَدْ أظهر ما لم يبطن ، ولو كان ثم من يفقه ويفطن ما خفي هذا الأمر ، فذلك فُرْقَانٌ يميز وبه العدل ، فهو يميز مقال الحق من مقال الإرجاء الذي أَفْرَطَ في الرجاء وَغَلَّبَ نصوص الجمال ، فلم ينظر بَعْدَ قبول الدعوى الأولى ، دعوى الإيمان ، وذلك حق ، ولكنه ، من وجه آخر ، قد يَزُولُ بعد الثبوت باقتراف ناقض من نواقضه ، وقد يكون بادي الرأي نِفَاقًا فلا يُفَتِّشُ الناظر فيما احتملت الصدور إلا أن يكون من ظاهر القول والعمل ما يفضح ما استكن في الجنان من مروق وفسق اجتهد صاحبه أن يخفي فَرَائَى أنه من أهل الفضل ، ولم يكن ذلك ليخفى على ذي فطنة لو أمعنَ الفكرة لا سيما في مواضع تعم بها البلوى من أمور الولاية والحكم ، فَكَمْ بَلَغَ السدة من هو من أهل الردة ! ، بل قد يحار الناظر أَثَبَتَ له من عقد الإيمان ما يجزئ ابتداء أم دَرَجَ على المروق والنفاق أولا ، فكان من مقال التوحيد ما يُقْبَلُ ممن بذله فلا يفتش الناظر في بواطنه ، فإن نقض ذلك باعتقاد أو قول أو عمل ، وذلك فرقان رئيس بين مقال الحق المحكم ومقال الإرجاء المحدَث الذي أضعف عقد الولاية الدينية فأدخل فيه من ليس بأهل ، وَصَيَّرَ ذلك ذريعة أَنْ يُوَسَّدَ الأمر إلى غير أهله ، فكلُّ مَنْ شهد بالتوحيد فهو من أهله وإن قارف ما قارف من نواقضه الظاهرة ! ، فَوَلِيَ أمورَ العامة من ليس منهم وليسوا منه فليس على طريقتهم في الشرعة والفكرة ، ولكنه يحسن يُرَائِي ويداهن فهو من أرباب الولاية الدينية ! ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، قولٌ في الديانة قد عظم شؤمه في أمور السياسة والولاية أَنْ قُصِرَتْ نَوَاقِضُ الدين والشهادة على بواطن لا تظهر فأنى لأحد أن يطلع عليها ؟! ، فاشترط في كل ناقض صريح من قول أو عمل ، ولو سَبًّا لله ، جل وعلا ، وَسَبًّا لكتابه ونبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَبُغْضًا لأهل الإيمان وما يكون من شعارهم في القول والعمل ، في الظاهر والباطن ، فذلك البغض لما احتملوا من الديانة وأبانوا عن هَدْيِهَا ولو في خاصة الشأن ، فضلا عن عموم يستغرق كل نازلة جامعة ، وذلك محل الخصومة العظمى بين النبوة وخصومها ، ولأجلها احتمل كل منافق ما احتمل من بغض الديانة التي تقمع حظوظه في جاه أو رياسة أو لذة تحرم فهو يُبْغِضُ هذا القيد الذي يحول بينه وبين ما يهوى أو يجد ، فكل أولئك من نَوَاقِضَ منها القول والعمل ، منها الباطن والظاهر ، فكان من حرب الديانة بتعطيل شِرْعَتِهَا وَتَسْفِيهِ حِكْمَتِهَا والسعي في حربها باللسان تارة ، وبالسيف والسنان أخرى ، والمحارِب ، مع ذلك ، على جادة الإيمان في مقال الإرجاء الذي سَفَّهَ الديانة فصيرها عقدا مجملا في الجنان لا يجاوز حد التصديق بل والعرفان المجرد الذي حصل لإبليس وفرعون ، فمهما قارف صاحبه من نواقض ! فهو مؤمن إذ لم يَسْتَحِلَّ ما يفعل ولو كان عين المروق الأكبر ، فمن يشق قلبه وَيُبِينُ عما احتمل من مادة الاستحلال ؟! إلا أن يشهد على نفسه بالقول ! وقد يكون ثم ما يُلْتَمَسُ له من العذر ! ، فهو يكذب في مقاله فليس بمارق وإن شَهِدَ على نفسه ! ، فكل أولئك ما به وَهَى عقد الدين حتى صار كلأ مباحا فاستبيح حماه إذ حام من حام حوله ولم يجد من سياج الوعيد ما يزجر ، بل وجد من مقال الإرجاء ما يحرِّضُ على الديانة وأهلها ويمنح كل منافق ذريعة بل وذرائع أن يخدع أهل الحق المحكم بما يظهر من عنوان الديانة وإن اجتهد في نقض أصولها صباحَ مساءَ بالقول والعمل وكل ما يصدر عن المكلف من أحوال الاختيار ما بطن منها وما ظهر .

فكان من زيادة الإيمان في قوله تعالى : (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) فعل يبطن وإن كانت آثاره في الخارج تظهر بما يكون من القول والعمل فيدخلان في حد الطاعة التي بها زيادة الإيمان ، وكذا يقال في التوكل فهو مما ينشأ في الباطن وآثاره لما تَزَلْ تحصل في الظاهر ، ومن ثم كان التنويه بالصلاة والنفقة في قوله تعالى : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) ، وهما من أعمال الظاهر ، فذكر من أعمال الباطن والظاهر ، ولو حكاية المثال الذي لا يخصص العموم ، فإن الأعمال المذكورة ليست وحدها أعمال الإيمان بل ثم ما زَادَ من أعمال الباطن والظاهر مما لم يذكر فَلَيْسَ مُرَادُ السياق أن يستغرق ، فذلك إنما يكون بالاستقراء الذي يجمع أعمال الديانة من نصوص الرسالة ، فكان من التمثيل ما يجري مجرى التنويه وهو ما يرشح في القصر آنف الذكر ، معنى المبالغة ، فـ : (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) ، فكل أولئك من القرائن التي رجحت في "أل" في "المؤمنون" بيان الجنس أولا ، واستغراق آحاده ثانيا ، آحاد المعنى فذلك من الاستغراق المجازي ، استغراق وجوه المعنى ، معنى الإيمان الذي اشتق منه اسم المدح في باب الاسم والحكم ، اسم المؤمن ، وهو من الوصف المشبَّه وذلك ، أيضا ، آكد في الثناء إذ الوصف المشبه يلازم الموصوف فلا يفارق إلا أن يكون ثم ناقض ، كما تقدم مرارا ، من نواقض الاسم الديني المجزئ في حصول الكمال الواجب تارة أو الأصل الجامع أخرى ، فَثَمَّ ما يقدح في الكمال الواجب دون الأصل الجامع فَيَنْفِي عن صاحبه الإيمان المطلق دون مطلق الإيمان ، وثم ما يقدح في الأصل الجامع فَيَنْفِي عن صاحبه مطلق الإيمان الأول ، ولكلِّ بابٍ من النواقض ، بالاعتقاد أو القول أو العمل ، ما قد عُلِمَ بالاستقراء ، استقراء النصوص ، مع ما حده أهل الشأن من شروط وموانع ، ففي باب الأسماء والأحكام لا يخلو الكلام من دائرة إطلاق تحد الفعل دون الفاعل ، ودائرة تقييد تتناول آحاد الفاعلين في الخارج إقامةً لحجة على تفصيل في ذلك فَهُوَ باب دقيق يُشْكِلُ ، فلا يحسن فيه التهجم إذ البلوى به تَعْظُمُ ، والناس فيه إن لم يُهْدَوا جادة العدل فَهُمْ بين الزيادة والنقص ، بين إفراط الخوارج وتفريط المرجئة وكلاهما ، لو تدبر الناظر ، طرف يقابل الآخر ، ولا يكون إلا مقابلة لمحدَثة بأخرى ولو رَامَ صاحبها الجادة الوسطى ولكنه لا يصيبها إذ يجاوزها إمعانا في رَدِّ المحدثة الأولى ، تأمل ذيوع الإرجاء الأول وقد كان في مقابل الخروج الذي ظهر قبله ، وتأمل في العصر المتأخر الخروج أو الغلو في باب الأسماء والأحكام في مقابل ما كان من ذيوع الإرجاء ، فذلك من شؤم الغلو والجفاء ولا يخلوان عن فساد في التصور وعنه يَنْشَأُ فساد الحكم مِن فعل وَرَدِّ فعل ، وكلاهما لا يعدل فيصيب جادة الوحي الوسطى .

والله أعلى وأعلم .




توقيع :الحكمي RSS موثق وكالة
yes موثق وكالات معتمد بالرياض - وثق وانت في منزلك
نأتيك اينما كنت في المنزل او مقر العمل
إتصل الآن: 0567663666




المواضيع المتشابهه
عنوان الموضوع الكاتب الردود الزوار آخر رد
اختبارُ الإيمان الحكمي RSS موثق وكالة
0 47 الحكمي RSS موثق وكالة
سعادة العيش وحلاوة الإيمان / د. عبد الله العسكر الحكمي RSS موثق وكالة
0 34 الحكمي RSS موثق وكالة
تحميل كتاب: ظاهرة ضعف الإيمان الأعراض الأسباب العلاج pdf المؤلف: محمد صالح الحكمي RSS موثق وكالة
0 41 الحكمي RSS موثق وكالة
اختبار الإيمان الحكمي RSS موثق وكالة
0 34 الحكمي RSS موثق وكالة

الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية ..


 







الساعة الآن 03:43 مساء