• faisal.hakami من :مصر yes إهداء من إدارة منتدى الحكمي للتوثيق لـ فريق توثيق , على نشاطه ومواضيعه المتميزة في المنتدى, كل الشكر والتقديري وبإنتظار المزيد smile
    faisal.hakami من :السعودية - مدينة الرياض wink_3 توثيق الأعمال مع الحكمي أسهل واسررع - لا داعي لترك منزلك او مقر عملك من أجل التوثيق - سنذهب إليك اينما كنت داخل الرياض, نوثق لك وأنت في منزلك أو مقر عملك yes
    faisal.hakami من :مدينة الرياض yes موثق وكالات معتمد بالرياض - وثق وانت في منزلك - نأتيك اينما كنت - إتصل الآن: 0567663666 - أو سجل طلبك بالضغط هنا cool
    faisal.hakami من :مدينة الرياض cool yes تم افتتاح موقعنا الجديد (الحكمي للمحاماة والإستشارات القانونية) لطلب محامي في قضية او استشارة يرجى الضغط هنا smile cool
    اضافة إهداء
    (المعذره .. غير مسموح للزوار بإضافة الإهداءات, الرجاء التسجيل في المنتدى)


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتدى الموثق فيصل الحكمي - موثق وكالة معتمد بالرياض، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





من آي الجنة

ومن قوله تعالى : (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، فَثَمَّ إشارة إلى الب ..



06-04-2021 08:34 مساء
الحكمي RSS موثق وكالة
فريق انجزلي لخدمات الويب
من مواضيع :الحكمي RSS موثق وكالة
...
[ ...


...
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 15-06-2019
رقم العضوية : 172
المشاركات : 76497
الدولة : السعودية
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 210
موقعي : زيارة موقعي
 offline 

ومن قوله تعالى : (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، فَثَمَّ إشارة إلى البعيد مئنة من التعظيم في قوله تعالى : (تِلْكُمُ) ، وهو تعظيم الحس والمعنى ، فالجنة في السماء فذلك موضعها في الحس ، وهي مما علت درجته وَارْتَفَعَتْ ، ولا تخلو الإشارة من إطناب ، فهي مما أُجْمِلَ وَافْتَقَرَ إلى البيان ، وهو الْمُشَارُ إليه ، فالإشارة في نفسها مما أُجْمِلَ إِنْ بِالنَّظَرِ في الدلالة الأخص ، فهي إن كانت إلى البعيد احتملت : إما التعظيم والتوقير ، وإما التصغير والتحقير على ضده ، والسياق عن مراد المتكلم يُبِينُ فَيَجْرِي ذلك ، كما تقدم مرارا ، مجرى الاشتراك على حَدِّ الأضدادِ ، إذ لفظٌ واحد يدل على ضِدَّيْنِ في المعنى ، والسياق ، كما تَقَدَّمَ مِرَارًا ، قَرِينَةٌ تُبِينُ عن المراد ، فَتَارَةَّ يُرَجِّحُ وجها وأخرى يرجح آخر وثالثة يجوز الجمع بين وجوه المعنى جميعا على حد العموم في دلالة المشترك أو جملة منها دون أخرى ، ولكلٍّ من السياق ما يُرَجِّحُ ، وكذا الحال فهي قرينة معتبرة في دَرَكِ المرادِ ، فَكَذَا يُقَالُ في الإشارة إلى القريب كما الإشارة باسم "هذا" ، فهي تحتمل التقريب إلى الذهن ، سواء أكان محسوسا أم معقولا ، فَيُقَّرَبُ إلى الذهن بإشارة إلى الجرم في الخارج ، وقد يكون التقريب في العقل لمعنى بما يكون من إشارة بها يُسْتَحْضَرُ ، كما في قوله تعالى : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ، فَثَمَّ من قرينة القصص الذي يبين عما أجمل من المختلفات ، ثم من ذلك ما رشح في الإشارة يُسْرَ التَّنَاوُلِ فهو آكد في الدلالة على معنى البيان والفصل في الخصومات بين القوم ، وكذلك الشأن في قرينة الهداية في قوله تعالى : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ، فلا تكون الهداية إلا بِمَا يَسُرَ في الدلالة فأبان عن المعنى بلا تَقَعُّرٍ ولا كلفةٍ ، فتحتمل إشارة القريب ما تَقَدَّمَ من تَقْرِيبِ المعنى ، وتحتمل ، من وجه آخر ، التحقير والتصغير كمن يُنَادِي على آخر في مقام ذَمٍّ واحتقار أَنْ : يا هذا ! ، فَثَمَّ من العدول عن ذكر اسمه ، فَكَنَّى بإشارة في مقام تحقير ، والقرينة ، كما تقدم مرارا ، أصل في درك المعنى المراد ، وهي ما عم السياق والحال ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، من وجوه التأويل الناصح ، إذ لا بد له من قَرِينَةٍ تُعْتَبَرُ ، وبه خَالَفَ عن التأويل الفاسد أو نظيره الباطن الذي يتكلف من المعنى ما بَعُدَ وقد يجاوز إلى ما بَطُلَ فلا دليل عليه ، ولو مهجورا ، ولا قرينة ، ولو مرجوحة ، فَثَمَّ من تأويل الباطن القديم والحديث ، وكلاهما مما أُحْدِثَ فِي اللسانِ والدينِ ، ثَمَّ منه ما به بطلان الكلام دليلا على المعنى ، فَبِهِ فَسَادُ التكليفِ وفساد التفكيرِ جَمِيعًا ، فَيَفْسَدُ قاموس الشرع إذ تُحْمَلُ ألفاظه في الاصطلاح الأخص على آخر أعم ، فَيَتَذَرَّعُ المؤوِّل بحقائق اللسان المجرد أَنْ يُعَارِضَ بِهَا حَقَائِقَ الشرع المنزَّل ، فَيَتَكَلَّفُ مِنَ التَّعَارُضِ ما لا يَلْزَمُ ، إذ المقيد في حقائق الشرع قَاضٍ في المطلق من حقائق اللفظ ، فلا تَعَارُضَ بَيْنَ مطلَق ومقيَّد ، إذ المقيَّد في المطلَق يَقْضِي ، والسياق ، كما تقدم ، القرينة التي تَفْصِلُ في الخصومات إذا اختلفت الدلالات وَأُجْمِلَتْ فَفِي سياق الشرع يكون اصطلاحه هو الحكم بين العقول إذا اختلفت الفهوم ، فلا تحمل الصلاة فيه ، بداهة ، على مطلق الدعاء الأعم إلا أن تكون ثم قرينة تَرُدُّهُ إلى الأصل ، أصل اللسان المطلق ، كما في آي الكتاب المحكم : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ، فذلك دعاء بالخير والبركة ، فلا يحمل ، بداهة ، على اصطلاح الفقه الأخص ، وثم من نصوص الوحي في موضع آخر ما يجري مجرى التصريح بالقرينة ، فالقرينة منها المعقول الذي يُقْتَبَسُ من السياق شعبةً بها الإفهام ، ومنها المنصوص الذي يُبِينُ عن المراد تصريحا فهو تأويل يدل على المراد ، كما في حديث آل أبي أوفى أَنِ : "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى" ، فذلك نص في الباب يدل على المراد صراحة ، فيحسم الاحتمال ، ولو مرجوحا ، فالأصل حملان لفظ الاصطلاح الشرعي الأخص على الماهية الشرعية المخصوصة إلا أَنْ تَرِدَ قَرِينَةٌ مُعْتَبَرَةٌ تصرفه إلى حقيقة اللسان الأعم ، وإلا فحملان الصلاة في قوله تعالى : (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) ، وإلا فحملانُها على مطلق الدعاء : سَفْسَطَةٌ تُفْضِي إلى إبطال الشرائع والأحكام ، وهو ما اطَّرَدَ في التأويل الباطني القديم والجديد ، فكلاهما محدَث لا أصل له يَثْبُتُ ، فليس إلا اقْتِرَاحُ الذهنِ إذ يَتَأَوَّلُ التأويل الباطن فلا يخلو ، بداهة ، من باعث فاسد ، فَثَمَّ الغش في القصد واحتمال الغل للوحي ، فلا يطيق صاحبه أن يجهر ، فهو يكيد ويمكر بما لمعاني الدين يفسد تبديلا أو تحريفا أو تعطيلا فَيُلْغِي ما اعتبر الوحي من المعاني الخبرية والإنشائية وَيَعْتَبِرُ ، في المقابل ، ما أَلْغَى الوحي منها فَيُعَطِّلُ في الأخبار بما يخالف عن أصول المعاني الإفرادية أو التركيبية ولا ينفك يحدث ما يضاهيها إذ أَفْرَغَ الكلام من فحواه وَجَرَّدَ المبنى المنطوق من المعنى المعقول فصار الوعاءُ شَاغِرًا يطلب الشاغل بما جُبِلَتْ عليه النفوس والفهوم أَنْ تُشْغَلَ لا أن تشغر فإنها لا تصير أبدا إلى شغور فَتَتَنَاوَبُ عليها الأغيار ، وَتَتَنَافَسُ عليها الأخبار والأحكام ، فإن لم تُشْغَلْ بِحَقٍّ منها يصح في النقل والعقل كان آخر على ضِدٍّ فهي بَيْنَ الحق والباطل تَتَرَدَّدُ والمسدَّد من هُدِيَ الحقَ في القول والعمل ، في التصور والحكم ، في الإثبات والنفي ، في الأمر والنهي وسائر الأحوال الاختيارية ما بَطَنَ مِنْهَا وما ظَهَرَ ، فَثَمَّ من عمل المؤوِّل المفسِد ما يجاوز الإفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل ، فذلك إفساد في الحس ، وهو وإن عظيما قد نهى عنه الشرع وزجر وتوعد بالعقاب في الأولى والآخرة حدا وعذابا ، فكان من حد الحرابة ما يَزْجُرُ إذ يَقْتُلُ وَيَقْطَعُ ، فـ : (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ، وكان من عذاب الإفساد في الأرض جَهَنَّمُ كما في آي المائدة آنف الذكر ، وكذا آي البقرة المحكم ، فـ : (مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) ، كان من ذلك ما يَزْجُرُ ، وهو مئنة من عِظَمِ الذَّنْبِ كَبِيرَةً حَدَّهَا أهل الشأن في جُمْلَةِ ما حدوا إذ فيه قد اختلفوا فكان من الحد المعتبر في مقال مَنْ حَقَّقَ ، كان من الحد أن الكبيرة ما تُوُعِّدَ فاعله بعذاب مخصوص في الآخرة أو كان من الحد في الدنيا ما نص عليه الشرع ، وهو ، كما أبان بعض المحققين ، مما يتفاوت فالكبائر على دركات ، وأسفلها الشرك فهو أعظم الذنب ، وثم من الكفران ما هو أعم فهو يجاوز الشرك الطارئ إلى كُلِّ ما هو لِلإيمان ناقض ، كما استقرأ أهل الشأن من نصوص الوحي النازل في باب النواقض اعتقادا أو قولا أو عملا ، وثم أخرى تَتَفَاوَتُ في السفل ، وهو مِمَّا يَتَفَاوَتُ بالنظر في جنسِ الفعلة ، كما ذكر علماء الملة ، فجنس الزنى أفحش من جنس الخمر ، فذلك نظر الجنس الأعم ، وأما الآحاد كَثْرَةً وَقِلَّةً فَهِيَ عامل يُرَجِّحُ من خارج الفعلة فَقَدْ يُصَيِّرُ المرجوح راجحا في الباب ، كمن عاقر الخمر وهي الأدنى فحصلت منه أكثر من مرة ، بل كثرت في العدد ، فصارت أصلا في حاله ، فذلك ما يجعلها بالنظر في آحاد الفعل إذ تَكْثُرُ ، ما يجعلها أفحش من الزنى إن وقع مرة ، وإن كان الزنى أفحش بالنظر في الجنس الأعلى ، فقد يَعْرِضُ للمرجوح في مواضع ما يجعله راجحا ، فيكون من القرينة من خارج ما يُرَجِّحُ ، كما في العدد الكثير من الآحاد في الخارج فهو قرينة رجحت ، فمعاقرة الخمر وإدمانها أفحش في الجناية وأقبح ممن قَارَفَ الزنى مرة ، وإن كان جنسه المطلق في الذهن أعظم ، وذلك أصل يطرد في باب الترجيح إِنْ في الفضائل أو في الرَّذَائِلِ ، فقد يَعْرِضُ للمرجوح ، كما تقدم ، ما يجعله راجحا في مواضع ، كما المثل يضرب بالطواف في مكة لغير أهلها فهو أفضل من آحاد النوافل صلاةً ، إذ الصلاة في حقهم تحصل في غير البيت ، ولا يحصل لهم من الطواف ما يحصل لأهله ممن أقاموا في جواره ، وكذلك الشأن في القرآن والذكر ، فالقرآن أشرف ، وَإِنْ كَانَ الذكر يُقَدَّمُ في مواضع مخصوصة هي مظان الإجابة ، أو لها من النص الخاص في فضلها ما يَثْبُتُ فَتَرْجُحَ نافلةَ الصلاةِ في هذا الموضع ، بل قد تحرم الصلاة وهي الأفضل ، كمن خُيِّرَ بَيْنَ صلاةٍ وَذِكْرٍ في أوقات النهي ، فالذكر أفضل في هذا الموضع المخصوص ، والصلاة مفضولة مرجوحة بل مَنْهِيٌّ عنها فهي على حد التحريم نافلةً مطلقة بلا سبب مخصوص ، وترجح نافلة الذكر في الركوع والسجود فهي أفضل من قراءة القرآن ، بل ذلك مما يحرم في الركوع والسجود وإن كان القرآن بالنظر في جنسه أفضل وأعلى درجة فهو ، في الجملة ، الأرجح وإنما عرض له من الوصف الخاص ما جعله مرجوحا في هذا الموضع .
والشاهد أن الإفساد في الأرض مما عَظُمَ من الذنب وَكَبُرَ فهو من الكبائر بما شُرِعَ له من حَدٍّ يَزْجُرُ في الأولى ، وبما أُخْبِرَ عنه من وعيد مخصوص في الآخرة ، وهو ، مع كل أولئك ، أهون من آخر أفحش فذنبه أعظم ، بما يكون من إفساد في المعنى ، إفساد الدين بما يكون مِنَ التأويل آنف الذكر ، الذي يحرف المباني عما أراد الشرع لها من المعاني الاصطلاحية الأخص ، فيكون حَرْفُهَا عن وِجْهَتِهَا بالتأويل وهو ، أيضا ، مما تَفَاوَتَ في الجناية ، فبعضه أفحش مِنْ بَعْضٍ ، ودركةُ المؤوِّل فيه تَتَفَاوَتُ في السفل والانحطاط ، فلا يستوي مَنْ أَوَّلَ في فِرْعٍ من فروع الفقه فهو أهون من آخر من فروع الخبر إذ باب الاجتهاد في الخبريات أضيق فمحلها التوقيف على ما خرج من مشكاة الوحي المنزل وبه ألحق ما لا يعقل معناه من الشعائر المخصوصة فالتأويل فيها يضيق كما الخبريات ، ولا يستوي مَنْ أَوَّلَ في أصول إن في العلم أو في العمل ، وَمَنْ أَوَّلَ في فُرُوعٍ لا سيما إن كانت مما فيه الخلاف يسوغ ، فذلك من التأويل الذي لا يُذَمُّ مطلقا ، بل منه ما يُحْمَدُ اجتهادا فَيُثَابُ فاعله وإن أَخْطَأَ الحقَّ ، فلا يذم مَا اسْتَفْرَغَ الوسع وإن فاته الأجرانِ فَلَهُ الأجر الواحد ، أجر الاجتهاد دون الإصابة .
فحصل التَّفَاوُتُ في ذم التأويل الفاسد ، وكان منه ، من وجه آخر ، ما بَعُدَ فهو يَقْبُحُ ، ولكنه ، في الجملة ، لا ينقض أصل الدين المحكم ، وإن قَدَحَ في كماله الواجب المجزئ ما لم يَجْرِ على حد الاستباحة أو السخرية فذانك أبدا في المعاصي وإن صَغَائِرَ ، ذانك مما يَنْقُضُ أصلَ الدين وإن لم يُقَارِفِ المعتقد فالاعتقاد في نفسه ناقض ما لم تكن ثم شبهة تأويل معتبرة ، فكان من التأويل ما بَعُدَ ، ومه ما زاد مما بَطُنَ فمآله هدم الشريعة كلها أصولا وفروعا ، علوما وأعمالا ، اعتقادات وشعائر وشرائع ، فذلك أعظم إفساد في الأرض إذ إفساد الأديان أعظم من إفساد الأبدان ، لا سيما إن تولى كبره الملوك والأحبار فَعَظُمَتْ بهم الفتنة إذ عمت بهم البلوى بما لهم من سلطان وقوة في الحس أو المعنى ، كما أبان ابن المبارك في بَيْتِهِ المأثور :
وهل أفسد الدين إلا الملوكُ ******* وأحبارُ سوء ورهبانُها .
فأفسدوا الدين بالتعطيل تَارةً والتأويل أخرى وكلاهما ثالثة ، ولا يَنْفَكَّانِ في مواضع كثيرة يجتمعان ، فيكون التعطيل ابتداء فيشغر المحل ، كما تقدم ، فلا بد من شاغل فيكون التأويل الذي يتفاوت فمنه البعيد ومنه الباطن الذي لا إفساد في الدنيا أعظم من إفساده ، فهو أعظم الجنايات إذ يَنَالُ من أصول الديانات وصاحبه ، لو تدبر الناظر ، هو المنافق النفاق الأكبر بما يظهر ما لا يبطن ، ويبطن من سوء القصد والاعتقاد ما لا يظهر ، فَيَسْتَتِرُ بما يَنْتَحِلُ من دعوى الإيمان وما يَنْطِقُ به من لفظه وَيُرَائِي بِجُمَلٍ من أعماله ، فَيَسْتَتِرُ بذلك كحال كثير من زنادقة الملك والشرع والفكر في الأعصار المتأخرة التي عظمت فيها البلوى بما قارف الملأ ممن لهم الحظ من السمع والبصر ! ، وإن لم يكن لهم في معيار الشرع خلاق لا في الأولى توقيرا من الخلق ولا في الآخرة توقيرا من الرب جل وعلا ، فَتَصَدَّرُوا ، ولو كَرْهًا ، وَكَادُوا للدين وأهله غِلًّا احتملوه وإرادة إبطال انتحلوه وصبرا على الباطل تَوَاصَوا به ، وَتَبَجُّحًا حال الضعف بِتَوْقِيرِ خصومه وجحد رموزه وإعلاءِ ضِدٍّ منها يُظْهِرُ الكفرَ في الأرض رياءً لأهله رَغَبًا وَرَهَبًا أن يَزُولَ الملك والجاه ، وهو لا محالة زائل ، فَيُرَائِي المخذول في دينه وعقله ، يُرَائِي الخلق بمناجزةِ مَنْ خَلَقَهُمْ طَعْنًا في شرعته بما يَذْهَبُ بأصولِها وَتَبَجُّحًا بِرَدِّهَا وإبطالِ أخبارها وأحكامها أصولا وفروعا ، فتلك أعظم جناية في الأرض ، جناية النفاق فَلِصَاحِبِهَا من النار الدرك الأسفل وحال من مَرَقَ وَجَحَدَ بادي الرأي خير منه ، فعظمت البلوى بالمنافق : نفاق الاعتقاد الأكبر ، وإن تَبَجَّحَ في الأعصار المتأخرة إذ ضَعُفَتْ شوكة الحق ، فاستعلن بما كان آنفا يبطن خشية أَنْ يُفْتَضَحَ ، فلم يعد ثم ما به يحجم ولو خشيةَ لومٍ أو مَذَمَّةٍ فضلا عن سيف الشريعة الحاسم لِوَسَاوِسِ الجحود والتعطيل ، فلا يخشى المذمة وقد داهن مَنْ دَاهَنَ فهو يمدح بما به بِصَاحِبِ الجرم يُلْحَقُ ، فالمرء على دين خليله ، ولا يخشى سيف الشريعة وقد عُطِّلَ بل قد آلَ السيف إليه ظلما وعدوانا فهو يُنَاجِزُ به الوحي وآله ، ولا يخشى وعيدا فهو حديث الخرافة ! ، وقد تَبَجَّحَ بإبطال الديانة فلا يخشى وعيدها بداهة ، وإن أظهر من اسمها ما به يمكر بالدين وأهله ، فَيُقَوِّضُ بُنْيَانَهُ من داخل إذ يَنْتَحِلُ مَقَالَهُ في الظاهر ، وقد أَبْطَنَ الكفر ، فكذلك تأويله الباطن فهو يقترح لظواهر النص المحكمة ، يَقْتَرِحُ لَهَا معانٍ باطنة تُفْسِدُهَا ، فَيُجِنُّ وَيَسْتُرُ ما احتملَت من الحق بما اقترح من باطل فذلك جنس آخر من الجن والستر ، فَثَمَّ نفاق في الاعتقاد وآخر في التأويل ! ، فكان من ذلك ما اطرد في مقال الحداثة ، خصمِ النبوة في التصور والحكم ، فالحداثة تَقْتَرِحُ مِنَ التأويل ما به إبطال التَّنْزِيلِ ، فإذا لم تُطِقِ الطعن صراحة فهي تَطْعَنُ مِنْ وَرَاءِ حجابٍ ، حجاب التأويل بل لا تَنْفَكُّ في مواضع ، تُعَظِّمُ الوحي وَتُوَقِّرُ رياءً به تَسْتَتِرُ وتمكرُ ، فهي تُوَقِّرُ ألفاظَه إذ تَتْلُو تلاوة الأماني فلا تَفْقَهُ ، وَتُعَطِّلٌ معانيه إِنْ خَبَرِيَّةً أو حُكْمِيَّةً ، فَتَتَوَسَّلُ بالتأويلِ إلى التعطيل إِنْ فِي العلم أو فِي العمل ، وذلك ما به إبطال الأصول والفروع جميعا ، إِذْ أُفْرِغَتْ أَدِلَّتُهَا من مَعَانِيهَا ، وَاسْتُبْدِلَتْ بِهَا أخرى تقترحها الحداثة بما يواطئ الهوى والذوق .






وثم إجمال آخر في اسم الإشارة "تِلْكُمُ" إذ يَفْتَقِرُ إلى بَيَانٍ يُعَيِّنُ المشارَ إليه ، وبه تظهر الدلالة كما في الآي آنف الذكر : (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، فَثَمَّ إطناب على حد البدل أو عطف البيان ، فالبدل هو المقصود بالحكم أصالةً وإن تَأَخَّرَ في اللفظ فما المبدَل منه إلا مُوَطِّئٌ له ، فمراد المتكلم هو الجنة ، وذلك ما يرشح دلالة البدلية الخالصة ، إذ لم تكن الإشارة في نَفْسِهَا تُرَادُ ، وإنما المناط هو المشار إليه ، وقد يُقَالُ ، من وجه آخر ، إِنَّ الإشارة لم تَخْلُ مِنْ فَائِدَةٍ تُرَادُ لِذَاتِهَا ، فائدة التعظيم آنف الذكر ، فضلا عن دلالة الجمع التي دلت عليها الزيادة ، زيادة الميم في "تِلْكُمُ" ، فَهِيَ مَئِنَّةٌ من جمعٍ يُخَاطَبُ ، فلا يخلو ذلك من زيادة معنًى استفيد من أخرى في المبنى ، وهو ، كما اطرد في خطاب التنزيل ، مما يجاوز الجمع المخاطب أولا حال التَّنَزُّلِ ، فَثَمَّ آخر يجاوزه بقرينة العموم في خطاب الوحي المحكم ، فذلك ما استغرق الغائب كما الحاضر ، المعدوم الذي لَمَّا يُوجَدْ فالتكليف يَتَوَجَّهُ إليه قوة بما رُكِزَ في الماهية البشرية من قوى العقل والفعل ، فذلك ما اطَّرَدَ بالنظر في الماهية الإنسانية المجردة في الذهن والتي لا يشترط في تَصَوُّرِهَا وجودها في الخارج ، فالذهن يُجَوِّزُهَا ولا يحكم لها بإيجابٍ أو نَفْيٍ حتى يكون ثم دليل من خارج يرجح فتلك إرادة الرب المهيمن ، جل وعلا ، أن يَخْلُقَ وَيُصَوِّرَ بكلمات تكوين نافذة ، فـ : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، وبها تأويل المقدَّر في العلم الأول عَدَمًا لَمَّا يُوجَدْ ، بها تأويله في الشاهد بما للعلم الأول يطابق فتلك الحكمة في الصنع والقدرة في الخلق ، وبها الثناء والمدح للرب الخالق المصور ، جل وعلا ، فالتكليف يَتَوَجَّهُ إلى الماهية الإنسانية ، فهي مناط التكليف بما رُكِزَ فِيهَا من قوى العلم والعمل ، وإن لم تُوجَدْ بَعْدُ ، فَثَمَّ تكليفُ القوةِ آنف الذكر ، كما الموجود الذي يَتَوَجَّهُ إليه التكليف فِعْلًا بَعْدَ أَنْ يُوجَدَ في الخارج تأويلًا يصدق العلم الجامع المحيط بالأعيان والأحوال جميعا ، فالخطاب يستغرق كل أولئك ، بل ويجاوز المؤمن إلى الكافر ، فالكافر يخاطب بالتكليف ولو قُوَّةً بما رُكِزَ فيه من قوى العقل التي تُنَاطُ بها الحجة ، حجة الرسالة ، فهو يُخَاطَبُ بِالتَّشْرِيعِ أَمْرًا وَنَهْيًا ، ويخاطب أولا بما به يصح من التوحيد إِثْبَاتًا وَنَفْيًا ، فكل أولئك من المعاني التي استفيدت من زيادة الجمع في "تِلْكُمُ" ، وهو ما يفيد معانٍ تَزِيدُ ، فلم تكن البدلية خالصة من كل وجه ، فشرطها ، كما يقول أهل الشأن ، أن يكون البدل هو المقصود بالحكم أصالة فلا يكون المبدَل منه إلا مُوَطِّئًا له ، فَثَمَّ من المبدل منه في هذا السياق مَعَانٍ تُرَادُ لذاتِها ، كما تقدم من دلالة التعظيم ، فضلا عَمَّا أَفَادَتِ الزيادة من معنى الجمع ، زيادة الميم في "تِلْكُمُ" ، على التفصيل آنف الذكر ، ومن ثم كان البيان ، البيان بالبدَل المطنَبِ به ، وهو عنوان الجنة الذي لا يخلو ، أيضا ، من إجمال بالنظر في الدلالة اللسانية الأعم ، فالجنة علم على البستانِ كَثِيفِ الأشجار الذي يجن ما فيه ويستر ، فذلك ، أيضا ، من تجريد المعنى في الذهن ، معنى الْجَنِّ وهو مطلق الستر ، ومنه ما يعقل ومنه ما يحس ، فَمِمَّا يُعْقَلُ ولا يُدْرَكُ بالحس ما كان من اسم الجن ، القبيل المكلف الذي يشاطر الإنس عنوان الغاية العظمى ، غاية الخلق في قول الرب جل وعلا : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، وكذا الجنة بالنظر في عَهْدٍ أخص ، وهو ما أعد الله ، جل وعلا ، لمن آمن من عباده من دار النعيم الخالد ، فذلك مما لا يُدْرَكُ بالحس في هذه الدار ، وإن أدرك الذهن معناه وما فيه من أجناسِ النَّعِيمِ ، فَثَمَّ معان يجردها الذهن وَلَهَا أسماء في الخارج تدل عليها دلالة العلم على المسمى في الخارج ، فكان الاشتراك بين الدارين : الاشتراك في الأسماء وما تدل عليه من أصول المعاني وهي المطلقات التي يجردها الذهن دون ما زاد من القيد ، فذلك ما تختلف به الحقائق في الخارج ، فَشَتَّانَ حقائق الشهادة في الدار الأولى وحقائق الغيب في الدار الآخرة ، فليس في الآخرة من الدنيا إلا الأسماء ، كما أُثِرَ عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، وإن كان ثم اشتراك في الاسم وأصل المعنى الذي يجرده الذهن ، فذلك القدر المشترك الذي يجري مجرى المتواطئ ، وهو ما يجري ، من وجه آخر ، مجرى التكافؤ ، إذ ثم تَرَادُفٌ ، من وجه ، وهو التَّرَادُفُ في أصل المعنى الذي يجرده الذهن ، وثم تَغَايُرٌ ، من آخر ، وهو التَّغَايُرُ في المعنى المقيد في الخارج ، فالمعاني المطلقة في الذهن مُتَرَادِفَةٌ ، والحقائق المقيدة في الخارج مُتَغَايِرَةٌ ، وليس ثم خلاف أو تَنَاقُضٌ ، إذ الجهة قد انفكت ، فذلك ما به الجنة في الأولى تُغَايِرُ نَظِيرَتَهَا في الآخرة ، وإن اشْتَرَكَا في أصلٍ أول أعم ، وهو ما تَقَدَّمَ مِنْ معنى الستر ، فكلاهما كثيف الشجر كثير الثمر فَيَسْتُرُ ما بداخله ، وَاشْتَرَكَا في أصلٍ ثان عام وهو دلالة البستان الكثيف وما يحوي من أجناس النعيم ، فكان الاشتراك آنف الذكر ، الاشتراك في أصول المعاني وفروعها حتى يكون ثَمَّ قدر فارق في الماهيات الخارجية وبه امتازت الحقائق اللسانية الأعم من الحقائق الدينية الأخص ، الحقائق في الأولى من نظائرها في الآخرة ، فَقَيْدُ الإضافةِ يُبِينُ عن القدر الفارق في الحقائق وإن كان ثم اشتراك في أصول المعاني والدلالات المطلقة التي يجردها الذهن ، وذلك ما يَرُدُّ عَجُزَ كلامٍ إلى صدرِه ، فالسياق هو ما يُبِينُ عن مراد المتكلم وأي حقيقة من الحقائق يريد ، فإن الجنة في قوله تعالى : (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) ، هي الجنة الأرضية : البستان كثيف الشجر ، فتلك حكاية لماضٍ سَبَقَ في هذه الدار ، فحكايته تجري مجرى الاعتبار ، ولا يكون إلا بما يدركه الحس ، إذ يجري مجرى القياس ، فَثَمَّ أصل أول يُقَاسُ عليه حال الاعتبار فالذهن يجاوزه أو هو يَعْبُرُ منه إلى الفرعِ المقيسِ لجامعٍ في المعنى هو العلة في اصطلاح الأصول ، فلا يُقَاسُ بداهةً على أصل لا يدرك ، فكان مِنْ دَرَكِهِ في هذه الدار ما صَرَفَ عنوان الجنة إلى الأرضية المشهودة لا السماوية المغيبة كما يَتَبَادَرُ من إطلاق لَقَبِهَا في النصوص الشرعية ، فإطلاقها ينصرف ، بادي الرأي ، إلى حقيقة دينية اصطلاحية أخص وهي دار النعيم في الدار الآخرة حتى يكون ثم قرينة صارفة إلى جنة أخرى تدرك بالحس كما الجنة في الأرض بُسْتَانًا قد كَثُفَ شجره وَكَثُرَ ثمره ، وذلك جار على أصل تقدم ، وهو السياق الأعم ، فَسِيَاقُ التَّنْزِيلِ الأعم يصرف الألفاظ ، بادي الرأي ، إلى حقائق دينية اصطلاحية أخص ، وثم سياق أخص في نص بعينه ، كما في قوله تعالى : (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، فهو يرشح الأصل في نصوص الوحي ، الحقيقة الدينية الاصطلاحية الأخص ، حقيقة النعيم الخالد خلاف آخر في الآي آنف الذكر : (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) ، فَثَمَّ من القرينة ما صرف إلى الحقيقة الدنيوية المدركة بالحس ، وإن خلاف الأصل ، فقرينة الاعتبار بالقصص الماضي ، وما يكون من القياس على أصوله ، كل أولئك مما رشح الدلالة اللسانية الأعم ، كما تقدم من عنوان الصلاة في قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) ، فلا يمكن حملانها على الصلاة في الاصطلاح ، فكان من القرِينَةِ آنفة الذكر ما صرف عنوان الصلاة في الآية إلى الدعاء ، فَيَصْدُقُ فِي أَيِّ دعاءٍ أنه صلاة ، فمطلق الدعاء صلاة ، ومطلق الستر جنة تحول دون ما سترت فلا تراه العين ، كما الجن قد استترت فلا تَرَاهَا الأعين ، وذلك من رحمة الله ، جل وعلا ، بالخلق : أَنْ حَجَبَ عنهم ما يُكْرَهُ فلا يطيقون رؤية الجن على أصل الخلقة ، فإذا ظهروا ففي صورةٍ تُطِيقُهَا العين وتحتملها النفس ، صورة الإنسان أو الحيوان أو الطير ..... إلخ ، خلاف الملَك ، كما يقول أهل الشأن ، فإنه بالنظر في عنوان الستر الأعم جن إذ لا يَرَاهُ الخلق ، وإن رآهم ففي صورة تُطِيقُهَا العين وتستحسنها النفس ، كما صورة جبريل ، عليه السلام ، في الحديث المشهور ، فلا يُرَى عليه أَثَرُ السفر فهو جميل في الصورة وقفد ورد أنه كان يأتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صورة دحية الكلبي ، رضي الله عنه ، وقد اشْتُهِرَ بجمال الصورة .

فعنوان الجن الأعم هو مطلق الستر ، فيصدق في كل ما احتجب فلا يُدْرَكُ بالحس الظاهر ، وتحته من الأنواع ما انْشَعَبَ ، فَثَمَّ الجن ، الخلق المعهود ، فدلالة "أل" فيه مئنة عهد خاص في خلق مخصوص ، وثم الملَك فهو مما احتجب وإن ظهر فَفِي صورة البشر دون غيرها ، خلافا للجن فإنهم يظهرون في صورة الإنس تارة والحيوان والطير أخرى ، وثم جَنٌّ يَسْتُرُ العقل فهو الجنون وذلك المرض ، فقد غاب العقل واحتجب بما يكون من عارضِ أهليةٍ يُسْقِطُ التكليفَ إذ ذهب محله وهو العقل ، فهو مناط التكليف الأول ، كما قَرَّرَ أهل الشأن ، إن تكليف القوة بما رُكِزَ في الماهية الإنسانية من القوة العلمية التي بها درك الكلام بما استقر في الجنان من قاموس اللِّسَانِ المعهود فَثَمَّ عهد خاص في المعجم به المعاني تُدْرَكُ ، إن معاني الألفاظ المفردة أو أخرى من الجمل المركبة بما تَوَاتَرَ من عُرْفِ اللسان في حَدِّ الكلام وما يكون من وسائط بها تَلْتَئِمُ الكلمات في نسق مخصوص يُوَاطِئُ نَظْمَ اللسان ، وهو ، كما تقدم ، مما يَتَفَاوَتُ من لسان إلى آخر ، فلا يصير الناطق حاذقا إِنْ أَدْرَكَ المعاني المفردة دون أن يَفْقَهَ نَظْمَ الجملِ المركبة ، وما تفيد من معان أولى ، وهي ما يَتَبَادَرُ إلى الذهن من مطالعة الجملة ، وذلك ما استوى فيه العقلاء كافة ، وإنما امتازوا بما يكون من فِقْهٍ تالٍ لمعان ثانوية أدق ، فتختلف الفهوم وَتَتَفَاوَتُ ، ولكلٍّ من الاجتهاد حظ بما رُكِزَ فيه من قُوَّةِ النظر وما استجمع من أدوات الفقه ، فقه الدلالات ، فذلك مجموع مركب منه الوهبي بما رُكِزَ في العقول من قوة ، ومنه الكسبي بما استجمع الناظر من طرائق الاستدلال ومسالك البيان الأخص ، فالكلام يفيد معان أولى من نظم يَتَبَادَرُ ، وذلك القدر الذي به تَوَجَّهَ التكليف العام في نصوص الوحي ، فكان من الرحمة الربانية السابغة أَنْ كَانَ التكليف الذي به المعنى الديني المجزئ يحصل ، أن كان هذا التكليف بالظاهر المتبادر الذي يستوي فيه الخلق كافة ، فالأصول العلمية والعملية ، ومسائل الدين العظمى ، كل أولئك مما حُدَّ بكلامٍ بَيِّنٍ يستوي في دركه الخلق كافة ، وإنما الاجتهاد في الفروع والدقائق التي تجري مجرى الكفاية في الفرض ، أن يكون ثَمَّ فِئَامٌ من الفقهاء وأهل الرأي بهم الحاجة تُسَدُّ في نَوَازِلِ الأحكام الطارئة مما يَسْتَجِدُّ للخلق من مسائل أَنْ يَرُدُّوهَا إلى أصول الأحكام والشرائع ، فَثَمَّ رَدٌّ أعم إلى المقاصد الكلية وهو ما احتمل في الأصول عناوين جامعة من قَبِيلِ : الاستحسان وسد الذرائع والعرف والمصالح المرسلة .... إلخ ، وثم رَدٌّ أخص إلى أصول قَدْ نَصَّ الوحي عليها ، فَقِيسَتِ الفروع المستجدة عليها بما تَقَاسَمَا من المعنى الأخص ، معنى العلة التي تُعْقَلُ ، فالناظر يجاوز بها قنطرةً من الأصل المنصوص إلى الفرع غير المنصوص ، فذلك الاعتبار إذ يَعْبُرُ الناظر من الأصل إلى الفرع بما استنبط من المعنى المعقول الذي تصح إناطة الحكم به فهو يَدُورُ معها وجودا وعدما ، وذلك مما لا يفقه كل أحد فهو المعني الثاني الذي يجاوز الأول ، وهو مما يصدق فيه أنه مُسْتَجَنٌّ لا يظهر فلا يعلمه إلا من يفقه الفقه الأخص ، فقه المعاني الثانوية الدقيقة ، فَثَمَّ تكليف أعم بالمعاني الأولية الظاهرة لكلِّ أحدٍ فهي مما استوى فيه العقلاء كافة من مهمات الدين الرَّئِيسَةِ التي جاءت بها نصوص الشريعة المتواترة ، فتلك محال الإجماع بَيْنَ النبوات كافة مِنْ دِينِهَا الواحد ، دين التوحيد المحكم ، وَقُلْ مثله في الأركانِ الجليلة من الدين ، والأحكام القطعية التي لا تختلف فيها الشرائع وإن اختلفت في فُرُوعٍ أَدَقَّ ، فَثَمَّ ظاهر من التوحيد وأصول التشريع وَجُمَلِ القطعياتِ الضرورية من الأحكام التكليفية التي تَوَاطَأَتْ عَلَيْهَا الشرائع السماوية ، وثم آخر يَسْتَجِنُّ ، فهو مما يخفى ويستدق من لطائف في الفروع إن في العلم أو في العمل ، فهي دينٌ يَنْفَعُ ، وليس كلُّ أحدٍ له يَفْقَهُ ، وليس يُنَاطُ بها معنى الإجزاء ، فلا يشترط علم الجميع بها ، وإنما يسقط التكليف بحصول الكفاية في العلم والعمل بما يستقيم به أمر الديانة ، فإذا نهض فِئَامٌ بِهَا حصلت بهم الكفاية والإجزاء في البابِ ، فهم نُوَّابٌ عن الجميع ، وبهم يصدق لقب المجموع ، فالمجموع يَعْلَمُ إذا عَلِمَ بَعْضٌ بهم التكليف يسقط ، فلا يشترط علم الجميع ، وذلك مما يدخل في حد الجَنِّ والسترِ آنف الذكر ، فهي معان تستدق وتستجِنُّ فلا يدركها كل أحد ، بل ثم قوى من النظر رُكِزَتْ ، وأدوات من الفقه جُمِعَت ، فحصل بهما مجموع مركب به استظهار ما جَنَّ من المعاني ، وكذا يُقَالُ في المحل الباطن ، فهو الجنان إذ اسْتَتَرَ ، فهو محل العلم والاعتقاد والإرادة وَجُمَلٍ من الأعمال الباطنة التي عنها تصدر الظواهر من الأقوال والأعمال ، أقوال اللسان وأعمال الأركان ، وكذا يقال في اسم الجنة ، محل الشاهد ، فإن مِنْهُ الجنة في الأرض بُسْتَانًا كَثِيفًا يحجب ، ومنه أخرى في السماء لا تدرك بالحس في الدار الأولى ، وإن حصل منها في الآخرة مَتَاعُ الروح والبدن ، فَتُدْرَكُ منها أجناسُ لذَّةٍ تُعْقَلُ ، وأشرفها لذة العلم ، وأعلى درجاتها العلم بالله ، جل وعلا ، عِلْمًا يجاوز علم الأولى من الأخبار الإلهية ، فَتَأْوِيلُهَا يَوْمَ الحشر ما يكون من رؤية الرب ، جل وعلا ، رؤية العين ، وإن لم تحط به ، إذ استحال في النقل والعقل أَنْ يحيط المحدود بغير المحدود ، وإن رآه كَمَا المثل المشهور من رؤيةِ العين السماءَ وهي لا تحيط بها ، فَحَصَلَ من تأويل الأخبار الإلهية التي جاءت بها الرسالات السماوية ، حصل مِنْهَا في الدار الآخرة تأويلٌ هو رُؤْيَةُ العينِ وتلك أشرف لَذَّةٍ يَنَالُهَا أهل التقوى في دار النعيم الخالد ، في الجنة التي أعد الله ، جل وعلا ، لعباده الصالحين ، وفيها كما الخبر ما لا عين رأت وإن رأت له قسيما يشاطرها أصلَ المعنى المجرد في الذهن ، فَثَمَّ اشْتِرَاكٌ في الاسم الأعم الذي لا يَلْزَمُ من إثباته تماثل أو تشابه في الماهيات الأخص في الخارج ، وهو ما يصدق في نصوص الغيب كَافَّةً : الإلهيات والسمعيات ، فَكُلُّ أولئك مما يصدق فيه أنه الجنة التي اسْتَتَرَتْ في هذه الدار فلا تطيقها العين ، وإن أَطَاقَتْهَا يَوْمَ البعثِ إذ ثم خِلْقَةٌ غَيْرُ الخلقةِ ، وذلك مُقْتَضَى الحكمة إذ لكلِّ دارٍ من الأحكام ما يُلَائِمُ ، فَتِلْكُمُ الجنة ، وهو ما انْصَرَفَ في هذا السياق إلى الجنة العليا في السماء ، فدلالة "أل" دلالة عهد أخص ، ولا تخلو من دلالات قياسية ، بَيَانِ الجنسِ ، جنسِ المدخول وهو المكان المستتر الَّذِي أَعَدَّ فيه الرب ، جل وعلا ، لمن آمن من عباده وَصَلُحَ ما به لَذَّةُ الروح والبدن تكمل ، وكذا يقال في عنوان آخر وهو العموم المستغرق ، فهي جنات كثيرة إذ الدرجات تَتَفَاوَتُ من الفردوس الأعلى إلى أدنى جنة وَبَيْنَهُمَا من الدرجات ما لا يحصى ، فلا يحصيه إلا من خَلَقَهُ وَأَعَدَّهُ ، جل وعلا ، وثم ثالث وهو العهد الخاص ، فهي الجنة السماوية ، كما تَقَدَّمَ ، لا الجنة في الأرض من البستان كثيف الشجر كثير الثمر ، فحصل من الإشارة إلى الجنة في الآي آنف الذكر : (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، حصل منه معنى الْبُعْدِ تعظيما ، وهو ما سُبِقَ بالنداء ، وذلك ما يرشح دلالة العلو ، فكان من النداء ما حُذِفَ فاعله إيجازا ، من وجه ، ومئنة من العموم ، من آخر ، وذلك آكد في التكريم زيادةً في المنة ، فالرب ، جل وعلا ، يُنَادِيهم ، والملَك يُنَادِيهم ، فَتَعَدَّدَ المنادِي في سياق سرور يُبْهِجُ ، وثم من الإجمال في النداء ، وقد ضُمِّنَ معنى القول ، وذلك ما رشح في "أَنْ" دلالة التفسير فهي المفسرة ، كما اصطلح النحاة ، فحصل بها بَيَانٌ وتفسير لِمَا أُجْمِلَ من النداء المتقدِّم ، وثم ، وجه آخر ، ذكره بَعْضُ مَنْ أَعْرَبَ ، فهي المخففة من المثقلة واسمها ضمير الشأن المحذوف ، فيجري ذلك مجرى الإطناب بتقدير محذوف به المبنى يزيد فَيَعْدِلُ أخرى في المعنى تُفِيدُ ، كما اصطلح أهل الشأن عنوانًا عامًّا في كل زيادة ، فضلا عن عناوين أخص فلكلِّ زيادةٍ من المبنى ما يخص بابا من أبواب المعاني والدلالات ، كما ضمير الشأن المقدر في هذا التأويل ، فهو مئنة من التعظيم ، تعظيم الشأن ، فذلك نداء بما عَظُمَ من المنة الربانية ، وثم ثالث في الدلالة ، أن تُقَدَّرَ باء على تقدير : ونودوا بأن تلكم الجنة ، فالباء داخلة على "أن" مصدرية فهي وما بعدها في تأويل مصدر تَجُرُّ الباء لفظه ، فَنُودُوا بِورَاثَةِ الجنةِ مِنَّةً من رب العزة ، جل وعلا ، فاحتملت "أن" دلالات ثلاث ، وهي جميعا مما يصح وبه رَفْدُ المعنى بدلالات تكثر في لفظ واحد يُفْرَدُ في النطق والكتب ، وهو مما استأنس به أهل الشأن في باب العموم في الألفاظ المشتركة ، فمبنى واحد والمعنى يَتَكَاثَرُ ، وذلك ، من وجه آخر ، مما يجري مجرى الإيجاز في البيان أَنْ أَوْجَزَ لفظَه وأطنبَ معناه بوجوه ثلاثة تصح جميعا في اللسان .
فكان من إشارة البعيد ما رَشَّحَهُ النداء آنف الذكر ، فَثَمَّ إجمال يَتَدَرَّجُ ، فمن إجمال النداء الذي فُسِّرَ بما بعده : "أن" المفسرة التي احتملت عنوان التفسير نصا في الباب ، ومن إجمال الإشارة إلى بَيَانٍ بالبدل أو عطف البيان "الْجَنَّةُ" ، وثم إطناب ثان بالخبر : "أُورِثْتُمُوهَا" ، إما خبرا أول عن اسم الإشارة "تِلْكُمُ"، فالجنة بدل منه يُبَيِّنُ ، أو خبرا ثانيا إذ حُدَّ اسمُ الإشارة مبتدأً وَحُدَّ اسم الجنة خَبَرًا أول ، فيكون "أُورِثْتُمُوهَا" خَبَرًا ثانيا ، وهو ما حُذِفَ فاعلُه للعلم به بداهة فهو الله ، جل وعلا ، وذلك ما أبان عنه الوحي المنزل في مواضع أخرى من الذكر المحكم ، فـ : (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) ، فَثَمَّ الإشارة ، أيضا ، إشارة البعيد مَئِنَّةَ تعظيمٍ ، وهو ما حُدَّ مُبْتَدَأً ، ولا يَنْفَكُّ يَفْتَقِرُ إلى بَيَانٍ ، فكان البيان بالإخبار بعنوان الجنة على التفصيل آنف الذكر ، فهي مئنة من عهد خاص ، جنة السماء وهي الجنس العام المستغرق ، فهي الجنان الكثيرة كما وعد صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم أم حارثة ، رضي الله عنها ، وقد أصاب ابْنُهَا مِنْهَا الفردوسَ الأعلى ، فـ : "يا أُمَّ حارِثَةَ إنها جِنَانٌ في جنةٍ وإنَّ ابْنَكِ أصاب الفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى" ، فهي درجات في جنس أعم يَتَفَاوَتُ من الأعلى إلى الأدنى فَمَهَّدَ صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بَيْنَ يَدَيِ البشرى ، وذكر من الخبر ما به المنة تعظم فلو لم يَذْكُرِ الدرجات لم يكمل السرور بما نال ابْنُهَا من أعلاها ، إذ لم تَمِزِ العالي من الداني فَلَمَّا مَهَّدَ أن الجنة على درجات فمنها العالي ومنها الداني ، كان من ذلك ما به المنة تَعْظُمُ إذ استبانَ المخاطَبُ قَدْرَهَا ، فَنَادَاهَا صلى الله عليه وعلى آله وسلم نِدَاءَ البعيد تَنْبِيهًا وَشَحْذًا للذهن فَذَلِكَ أوقع في الإخبار إن في البشرى أو في الإنذار ، ثم أَكَّدَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أولا بالناسخ : "إنها جِنَانٌ في جنةٍ" ، ثم أكد ثانيا بآخر : "وإنَّ ابْنَكِ أصاب الفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى" ، وكان من الماضوية في الإصابة ، إصابة حارثة ، رضي الله عنه ، الفردوس الأعلى ، كان منه ما به تقرير المعنى إذ انْقَضَى وإن لم يُصِبِ الفردوس بالفعل فَقَدْ أصابه بالوعد إذ استوفى الشرط فَثَبَتَ الأجر فضلا من الرب ذي المنن ، جل وعلا ، ولا يخلو السياق من إطنابٍ بالاسمية ، وما كان من آخر في الخبر إذ حُدَّ جملةً "أصاب" ، فكل أولئك من زيادة مَبْنًى لها من زيادةِ المعنى ما يضاهي .

وثم من الإطناب بالوصف وهو ما حُدَّ حَدَّ الوصل في قوله تعالى : (الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) ، ولا يخلو ، كما القياس في النحو ، لا يخلو من إجمال يفتقر إلى البيان ، وتلك علة البناء التي اقْتَرَحَهَا النحاة في بناء الموصول ، الافتقار إلى ما بعده فأشبه الحرف الذي يَفْتَقِرُ إلى ما بعده في بَيَانِ معناه ، فأشبه الموصول الحرفَ من هذا الوجه ، فَقِيسَ عليه في حكم البناء لجامع في المعنى يُعْقَلُ ، فَحُكْمُ البناءِ به يُعَلَّقُ ، وذلك من مُثُلِ القياسِ في اللسان ، فَتُضَاهِي نَظَائِرَهَا في الفقه ، فَثَمَّ أصل وهو الحرف ، وثم فرع وهو الموصول ، وثم حكم وهو البناء ، وثم علة وهي الافتقار ، فتلك أركان القياس في اللسان أو الفقه ، فكان من الإجمال في الموصول ما به تَعْلِيلُ البناءِ ، بِنَاءِ لَفْظِهِ ، ولا يَنْفَكُّ يَفْتَقِرُ إلى المبيِّن وهو المعنى الذي اشتقت منه الصلة ، ولا يخلو من تَعْلِيلٍ آخر ، إذ أُنِيطَ الحكم بمنحِ الجنة من رب العزة ، جل وعلا ، أُنِيطَ بمعنى التَّقْوَى ، فهو يدور معه وجودا وعدما بما يجري مجرى الإيجاز إذ المنطوق قد دل على المفهوم بما اطرد وانعكس من الدلالة في العقل ، فالمنطوق : (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) ، والمفهوم هو النفي فلا نُورِثُهَا من لم يكن تَقِيًّا ، وتلك وراثةُ تَتَفَاوَتُ تَبَعًا لِعَمَلِ كلِّ عاملٍ ، من وجه ، ومتى يكون دخولها فَثَمَّ مَنْ يَرِثُهَا أولا بلا سَابِقَةِ عَذَابٍ سواء أكان من أهل الإيمان المجزئ الواجب أم كان من أهل الوعيد وقد قام في حقه مَانِعٌ مِنْ نَفَاذِه ، وثم من يَرِثُهَا وقد سَبَقَ له من العذاب ما به يُطَهَّرُ ، فيكون معه من الإيمان مطلق يجزئ في الخروج من عهدةِ الكفران ، ولا يكون ثَمَّ زيادة بها يَبْلُغُ حَدَّ الكمال ولا يكون ثم مانع من يحول دون الإنفاذ : إنفاذ الوعيد تَطْهِيرًا في نَارِ العصاة فلا يخلد أهلها فِيهَا .
وثم وصل آخر يجري مجرى الاسم المشترك في قوله تعالى : (مَنْ كَانَ تَقِيًّا) ، فذلك عنوان "مَنْ" الموصولة في اصطلاح النحاة ، وهو ما حُدَّ في المعجم لمن عقل فهو الذي يُنَاطُ به التكليف تَقْوَى بها استحقاق الوراثة ، وراثة الجنة ، فمن كان من أهل التقوى وَرِثَهَا ، ومن خالف عنها حُرِمَهَا ، فاطرد القياس وانعكس ، وذلك شرط في العلة المعتبرة ، وثم تفاوت في الوراثة بما يكون من التقوى على ما تَقَدَّمَ من إيمان يَتَفَاوَتُ من مطلقٍ فَهُوَ الأدنى في الإجزاء إلى إيمان كامل فهو الأعلى وفوقه ما زَادَ فَبَلَغَ رُتْبَةَ الكمال المستحب ، وَبَيْنَهُمَا من الدرجات ما لا يحصيه إلا الله ، جل وعلا ، فلكلٍّ من الجنة ما يُورَثُ فضلا بما كان منه قولا وَعَمَلًا ، ولا يخلو السياق من إطناب بالكينونة الماضية ، وذلك آكد في الدلالة إذ تحكي ديمومة الوصف ، وهي مَئِنَّةٌ من كمال الإيمان تصديقا وامتثالا ، فذلك إطناب في المبنى يدل على آخر في المعنى إن بالعنوان الأعم : مطلق الزيادة ، أو بآخر أخص وهو ديمومة الوصف في الزمن الماضي ، فتلك دلالة "كان" الماضية كما اصطلح أهل الشأن ، وهو آكد في الدلالة من القول في غير التنزيل : تلك الجنة التي نُورِثُ مَنِ اتَّقَى ، ولا تخلو "مَنْ" من دلالة التغليب إذ حَدُّهَا في اللسان قد ذُكِّرَ ، وقرينة العموم في خطاب التكليف قد جاوزت بها الجنس المذكر إلى نظيره المؤنث ، وثم من عنوان التقوى ما أُطْلِقَ فَاسْتَغْرَقَ ، تقوى الباطن ونظيرها في الظاهر ، فذلك عنوان دين يستغرق الباطن والظاهر ، اعتقاد الجنان وقول اللسان وعمل الأركان ، فذلك الإيمان المجزئ كما حده أهل الشأن ، فحصل من عنوان التقوى ما به وقاية من العذاب ، وهو ، كما تقدم في مواضع ، مما استغرق تقوى الرب الجليل ، تبارك وتعالى ، فـ : (اتَّقُوا اللَّهَ) ، وتقوى العذاب ، فـ : (اتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) ، وتقوى يَوْمٍ فيه الحساب والجزاء ، فـ : (اتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) ، فكل أولئك من عمومات استفادها الناظر من إطلاق العنوان ، عنوان التقوى ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما يدل على حد التلازم ، فالخبر وعدا بالجنة لا يخلو من تكليف بالتقوى أَنِ اتَّقُوا اللهَ لِيُوَرِّثَكُمُ الجنَّةَ ، وهو ما جاء به النص أمرا يُصَرِّحُ أَنِ : (اتَّقُوا اللَّهَ) ، وهو ، من وجه آخر ، مما يَنْهَى عن ضد من الفجور والكفران ، فلا تفجروا وتكفروا فَتُحْرَمُوا الجنة فلا يُورِثُهَا الله ، جل وعلا ، إلا أهل التقوى ، فكان من النص على المورِّث وهو الرب المهيمن ، جل وعلا ، في قوله تعالى : (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) ، ولا يخلو الوعد من عِظَمٍ وَشَرَفٍ فَحَسُنَ معه إسناد الفعل إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم في مقام الوعد الصادق ، فاستكن ضمير الجمع المقدر في العامل "نُوَرِّثُ" ، وتقديره "نحن" اسْتَكَنَّ إيجابا ، ومرجعه هو الله ، جل وعلا ، فهو المورِّث الذي حُذِفَ ذكره في آي آخر ، فـ : (نُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، فحذف إيجازا للعلم به بداهة ، مع ما تقدم من ذكره في موضع آخر ، فَدَلَّ المذكور في قوله تعالى : (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) ، وإن ضميرا مستكنا على حد الإيجاب ، فهو في قُوَّةِ المذكور ، فَدَلَّ على المحذوف في قوله تعالى : (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، وهو ما يجري مجرى المسلك المطرد في تفسير الآي المحكم ، إذ بعضه يُفَسِّرُ بَعْضًا ، فَمَا أُجْمِلَ في موضع أُبِينَ عنه في آخر ، وما حُذِفَ في موضع ذُكِرَ في آخر ، وبعده كان النص على حد التعليل ، فتلك دلالة الباء سببا ، لا ثمنا ، فإن المنة الربانية بالجنة لا تعدلها أعمال العباد ، ولو دامت طاعاتهم واتصلت سجداتهم وركعاتهم ، بل ذلك السبب ابتداء مما منح الرب ، جل وعلا ، إذ هو من خلق المحل ، وخلق فيه قوة الفعل وخلق فيه التصور والإرادة وخلق في الأركان الباطنة والظاهرة صور الأعمال التي بها تُنَالُ الجنة ، فكان من الباء في قوله تعالى : (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، نص في الباب : باب السببية ، لا الثمنية ، وثم من الإطناب بالكينونة الماضية ما يضاهي زيادتها آنفة الذكر في قوله تعالى : (مَنْ كَانَ تَقِيًّا) ، فزيادتها في المبنى مئنة من أخرى في المعنى ، فضلا عن زيادة أخص وهي ما استفيد من ديمومة الوصف فذلك آكد في الدلالة من القول في غير التنزيل : بما عملتم ، وذلك عنوان آخر أُطْلِقَ فَعَمَّ كما التقوى ، فجنس العمل قد استغرق أنواعا وآحادا في الخارج منها عمل الجنان اعتقادا وإرادة ومحبة وخوفا ورجاء وتوكلا واستعانة .... إلخ ، وعمل اللسان شهادة وذكرا وتلاوة وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر .... إلخ ، وعمل الأركان فِعْلًا وَتَرْكًا ، فذلك عنوان يستغرق ماهية الدين المجزئ كما التقوى فَيُجَاوِزُ ما يَتَبَادَرُ من دلالة العمل إذا أُطْلِقَ إذ يَنْصَرِفُ إلى أعمال الأركان الظاهرة ، وثم من دلالة الموصول "ما" في قوله تعالى : (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، ثم منها ما عَمَّ فاستغرق ، أيضا ، فَهِيَ نَصٌّ فيما لا يعقل ، فالأعمال معان تقوم بالذوات والأركان فلا تَعْقِلُ وإنما تقوم بمحل يعقل ، وذلك ، أيضا ، مما دخله التغليب لقرينة العموم في خطاب التكليف فجاوز دلالة الضمير ، ضمير الجمع المذكر المجموع في حدِّ تاءِ الفاعل المزيدة في "كُنْتُمْ" ، فالميم حرف جمع زائد أُلْحِقَ بالضمير ، وكذا الشأن في ضمير الجمع المذكر في "تَعْمَلُونَ" ، فكل أولئك ما رُفِدَ معناه بالتغليب آنف الذكر ، فاستغرق كل محلٍّ صَحَّ تكليفه ، ذكرا أو أنثى ، كما الخلق منهما ، فـ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) ، فكذلك التكليف بالشرع قد استغرق الجميع ، وهو ما يضاهي في الدلالة آيا آخر يعدل في اللفظ والمعنى في قوله تعالى : (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، فَحُدَّ ابتداء وخبرا ، وثم من الموصول ما يجري ، أيضا ، مجرى الوصف ذي الدلالة التعليلية طردا وعكسا ، فوراثة الجنة بالعمل ، وذلك الطرد ، وحرمانها بضد من تَرْكِ العمل ، فلا يخلو ذلك من دلالة إنشاء يأمر أن اعملوا بما جاء به الشرع المحكم من تكليف الباطن والظاهر لتورثوا الجنة فضلا ، ولا تخالفوا عن الشرع فَتَتْرُكُوا العمل فتحرموا الجنة عدلا ، فـ : (لَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) ، فَيَتَوَارَثُونَهَا بما كان من عمل ويتقاسمونها بما لكلٍّ منه ، لا أن أعمالهم تَعْدِلُ ما نَالُوا من الثواب ، وإنما قسمة تُنَاسِبُ بالنظر في أعمالهم لا بالنظر في عدلها من الثواب فلا تعدله في القدر وإن عادلته في القياس سَبَبًا بِهِ يُنَالُ المسبَّب وعلة بها يكون الحكم .

والله أعلى وأعلم .




توقيع :الحكمي RSS موثق وكالة
yes موثق وكالات معتمد بالرياض - وثق وانت في منزلك
نأتيك اينما كنت في المنزل او مقر العمل
إتصل الآن: 0567663666




المواضيع المتشابهه
عنوان الموضوع الكاتب الردود الزوار آخر رد
[وَأَحسَنُ منك لم تر قط عيني] لماذا [أحسن] مرفوع؟ الحكمي RSS موثق وكالة
0 3 الحكمي RSS موثق وكالة
أصلاة التراويح تناسب حديث: من قام رمضان إيمانا وا الحكمي RSS موثق وكالة
0 5 الحكمي RSS موثق وكالة
إعراب: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية الحكمي RSS موثق وكالة
0 5 الحكمي RSS موثق وكالة
هل فكرة انقراض اللغة العربية مناقضة للنصوص الشرعية الحكمي RSS موثق وكالة
0 4 الحكمي RSS موثق وكالة
الجامع في اللغة - قطعة من معجم مفقود للقزاز القيرو الحكمي RSS موثق وكالة
0 10 الحكمي RSS موثق وكالة

الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية ..


 







الساعة الآن 08:22 صباحا